.
.
.
.

إيران اختارت التصعيد

خيرالله خيرالله

نشر في: آخر تحديث:

تزداد الإشارات إلى أنّ منطقة الشرق الأوسط والخليج تبدو مقبلة على أحداث كبيرة في ظلّ إصرار إيران على لعب دور يفوق حجمها والذهاب بعيداً في لعبة التصعيد.

من الصعب التكهّن بطبيعة هذه الأحداث التي يمكن ان تصل الى مواجهات عسكريّة تتجاوز ما نشهده منذ سنوات عدّة، خصوصاً في سورية حيث تقصف إسرائيل بين حين وآخر مواقع إيرانية.

ليس مستبعداً تحوّل لبنان الى جزء من مواجهة شاملة في المنطقة في ظلّ السيطرة التي يمارسها «حزب الله» عليه من جهة والمخاوف الإسرائيلية المتزايدة من الصواريخ والطائرات المسيّرة الايرانيّة من جهة اخرى.

يبدو واضحاً أن «الجمهوريّة الاسلاميّة» مصرّة على فرض شروطها على كلّ صعيد وفي كلّ مكان، من العراق، الى سورية، الى لبنان... الى اليمن.

اكثر من ذلك، تعتقد ايران انّ في استطاعتها فرض فصل تام بين ملفّها النووي والعودة الى اتفاق 2015. معنى ذلك غياب أي ربط بين ذلك الملفّ وبين سلوكها في المنطقة.

هذا ما شدّد عليه أخيراً «المرشد» علي خامنئي برفضه تضمين أيّ اتفاق جديد مع الإدارة الأميركية فقرة تفتح الباب مستقبلاً امام أيّ بحث في تدخلات إيران خارج حدودها وصواريخها.

ليس سرّاً ان أطرافاً عدّة عربيّة وغير عربيّة تحذّر منذ فترة طويلة من العودة الى الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني ورفع العقوبات الأميركية عن «الجمهوريّة الاسلاميّة» من دون التطرّق لا الى الصواريخ البالستية ولا الى الطائرات المسيّرة. كذلك، مطلوب تجاهل وجود الميليشيات المذهبيّة الإيرانية التي تعمل في العراق والتي دمّرت سورية ولبنان واقامت كياناً خاصاً بها في اليمن.

تحوّل هذا الكيان الى مجرّد قاعدة لإطلاق الصواريخ والمسيّرات في اتجاه الأراضي السعوديّة، بما في ذلك مطارات مدنيّة ومنشآت نفطية.

بكلام أوضح، تحوّل الوجود الإيراني في اليمن الى وسيلة لابتزاز السعودية وكلّ دولة من دول شبه الجزيرة العربيّة.

كان الهجوم الإيراني الأخير على ناقلة نفط يملكها إسرائيلي في بحر العرب قبالة خليج عُمان نقطة تحوّل في الحرب الدائرة على نار خفيفة منذ فترة طويلة بين إسرائيل و«الجمهوريّة الإسلاميّة».

كشف الهجوم امتلاك إيران لتكنولوجيا حديثة تسمح لها بالردّ على إسرائيل في البحار.

مثل هذه التكنولوجيا، التي قد تكون وراءها الصين، ستكون في غاية الفعاليّة في حال اضحت في تصرّف الميليشيات التابعة لـ«الحرس الثوري» والعاملة في العراق وسورية ولبنان واليمن.

الأخطر من ذلك كلّه، ان ليس امام ايران سوى التصعيد لأسباب داخليّة وإقليميّة واميركيّة في الوقت ذاته.

داخلياً، تواجه ايران، عشيّة تسلّم الرئيس الجديد إبراهيم رئيسي مهمّاته، ازمة عميقة.

هذه الازمة هي أزمة نظام لا يمتلك خياراً آخر غير الهروب المستمرّ الى خارج حدوده.

يلجأ الى ذلك نظراً الى عجز لدى النظام على القيام بعملية نقد للذات من منطلق انّ فشله فشل اقتصادي اوّلاً وانّ لا قدرة له على إيجاد أيّ حل لهذه المشاكل حتّى لو وضع نفسه في الحضن الصيني كلّياً.

كان كافياً فرض إدارة دونالد ترامب عقوبات على «الجمهوريّة الاسلاميّة» كي يتبيّن كم أن اقتصادها هشّ.

ما يعيشه اهل الأحواز ليس سوى جزء من المأساة الإيرانية التي يختزلها نظام يعتقد انّ الهرب الى خارج حدوده وتحقيق انتصارات على العراق والعراقيين وسورية والسوريين ولبنان واللبنانيين واليمن واليمنيين سيجعل منه قادراً على الحصول على اعتراف دولي، اميركي تحديداً، بانّه قوّة إقليمية مهيمنة لا مفرّ من الوقوف على خاطرها والانصياع لشروطها.

عاجلاً ام آجلاً، سيترتب على النظام في ايران التصالح مع الواقع.

فإيران التي يبلغ عدد سكانها ما يزيد بقليل على ثمانين مليوناً ليست سوى دولة من دول العالم الثالث.

معنى ذلك انها تحتاج قبل كلّ شيء الى التصالح مع نفسها بدل متابعة الهروب الى الامام... الى خارج حدودها.

من شروط تحقيق هذه المصالحة الاهتمام بشؤون الإيرانيين ورفاههم بدل توظيف إمكانات كبيرة من أجل إنقاذ نظام سوري يشنّ حرباً على شعبه، على سبيل المثال وليس الحصر.

إقليمياً، لا تستطيع إيران إيجاد أيّ علاقة طبيعيّة مع أيّ بلد عربي، أكان قريباً منها او بعيداً عنها.

اكثر من ذلك، ليس لديها سوى ميليشياتها المذهبيّة تصدّرها الى هذا البلد او ذاك. حيثما حلّت ايران يحلّ الخراب.

هل أسوأ مما حلّ بلبنان الذي فقد أبناؤه الأمل بأيّ مستقبل افضل والذين بات طموحهم مقتصراً على كيفية إيجاد وسيلة للهجرة؟

يبقى الأهمّ من ذلك كلّه، ان إيران لم تستطع التعاطي مع الادارة الأميركية الجديدة.

فشلت في ذلك رغم أنّ هذه الإدارة تمتلك كلّ الرغبة في الوصول الى صفقة معها.

لكنّ الواضح أنّ طهران ترفض الاعتراف بأنّ العالم تغيّر.

ترفض الاعتراف بأنّ العالم تغيّر بين 2015 و2021 وانّ إدارة جو بايدن عاجزة عن تكرار تجربة باراك أوباما التي كانت تختزل كلّ أزمات الشرق الأوسط والخليج بالملفّ النووي الإيراني.

هناك سببان على الأقلّ يجعلان إدارة بايدن عاجزة عن التوصّل الى صفقة مع إيران تكون محصورة بالعودة الى اتفاق 2015 وترفع العقوبات عنها.

يكمن الاوّل في أن كلّ دول المنطقة تعترض على ذلك.

تعترض كلّ دولة على طريقتها.

أمّا السبب الثاني فيعود الى أنّ على إدارة بايدن ان تأخذ في الاعتبار اعتراض الجمهوريين، وحتّى بعض الديموقراطيين من أعضاء الكونغرس، على فكرة الاستسلام امام «الجمهوريّة الاإسلاميّة» وشروطها.

لأسباب داخلية واقليميّة وأميركية، في آن، اختارت ايران التصعيد مع ما يعنيه ذلك احتمالات خطيرة في منطقة لا يمكن ان تقبل بأن تكون تحت هيمنة نظام مريض ليس لديه ما يقدّمه الى محيطه، بل الى الشعوب الايرانيّة أوّلاً.

إلى أين سيصل التصعيد؟ الواضح أنّ كلّ الاحتمالات واردة ما دام لا خيار آخر في طهران غير الاستمرار في تجاهل مدى عمق الأزمة الداخلية وأبعادها!

* نقلا عن "الراي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.