.
.
.
.

شعب النعوش و«جمهورية الأمونيوم»

غسان شربل

نشر في: آخر تحديث:

تزاحمت الرسائل في هاتفه. يقول المخبرون إن رائحة غريبة تجتاح البلاد. رائحة حادة ومحيرة. غضب عميق وعنيف. حزن مطبوخ بمرارات قاتمة. رائحة ظلم شاسع ورغبة هائلة في الاعتراض. الاحتجاج على احتقار المسؤولين والسياسيين لدم الشهداء. ودموع الأمهات. وشهيق الأرامل. ولوعة الأيتام. رائحة غريبة وفريدة. لم تحتقر دولة أبناءها كما فعلت «جمهورية نيترات الأمونيوم» بشهداء مرفأ بيروت. والحقيقة هي أنها احتقرت الجميع بلا استثناء وأضاعت دماء كل الشهداء بلا استثناء.
وقال المخبرون إن تحركات مريبة سجلت في مقابر ساحلية وجبلية. وإن اتصالات غامضة جرت بين سكان النعوش. كأنهم وزعوا كلمة السر وانتقلوا إلى مراحل التنفيذ. وروى المخبرون في تقارير لاحقة أنهم شاهدوا نعوشاً تغادر مقرات إقامتها وتفتح الأبواب عنوة وتسلك طريق العاصمة. واعترفوا أنهم لا ينصحون بإطلاق النار على سكان النعوش المتحركة لأنهم سبق أن اغتيلوا مراراً على أيدي المسؤولين والسياسيين ثم عاودوا احتجاجاتهم. ونصح المخبرون بتشديد الحراسة حول المقرات الرسمية وخصوصاً منها السراي الحكومي والبرلمان والقصر الجمهوري.
أصدر المسؤولون تعليمات صارمة. لكنهم تحاشوا تحديد هوية المهاجمين المحتملين. اكتفوا بالتشديد على صيانة عذرية المقرات الرسمية. امتنعوا عن الحديث عن هجوم محتمل للنعوش لأن ذلك قد يخيف القوات الإضافية التي أرسلت لجبه أي محاولة انقلابية.
كادت هواتفه تشتعل من كثرة الاتصالات وتلاحق الرسائل. قال المخبرون إن النعوش اتخذت شكل كرات من النار والضوء والدم وإنها تتدفق في اتجاه بيروت. وأفادوا بأن الحواجز لم تجرؤ على اعتراضها وأنها تتجمع الآن في ساحة الشهداء في بيروت. ضرب المسؤول كفاً بكف. ما هذه البلاد التي تحتاج دائماً إلى مزيد من الشهداء؟ ما هذه البلاد التي يستحم فاسدوها بدم الشهداء؟ تذكر أن عليه أن يخفي مشاعره.
كانوا شعباً من النعوش. اقتربوا من السراي الحكومي وأثخنوا بالاتهامات كل من تسبب في بقائه شاغراً في مدينة كانت تائهة بين القبور والجروح والجنازات. هذه أعنف سلطة في العالم وإن كان الجبن أرفع أوسمتها. سلطة ذليلة وعقيمة لكنها تملك قدرة هائلة على احتقار الدم والدموع والأوجاع. اقتربت النعوش أيضاً من مقر المجلس النيابي الموقر وكالوا لأعضاء النادي من التهم ما يصعب نشره. وسمع شهداء يرددون: البرلمان شريك كبير في الانهيار ومن صانعيه. كل سياسات الإهدار والانهيار الحكومية تحمل توقيعه. كل السياسات المالية الغريبة ممهورة بموافقته.
شعر المسؤول بقلق هائل. شيء ما يقول له إن شعب النعوش لن يرتضي إلا قصر بعبدا الرئاسي محطة أخيرة لجولته. تلقى قائد الحرس الجمهوري الأخبار بارتباك ظاهر. الرصاص يخيف الأحياء لا الشهداء. ولا يدخل في باب الحكمة إطلاق النار على النعوش. أمر الحواجز بالتشدد في منع اقتراب أي جسم غريب. لكن ما كُتب قد كُتب. اجتاح سيل من النعوش الحاجز المؤدي إلى القصر، وفجأة توزعت النعوش في الساحة الرئيسية. ولاحظ الحراس أن كل شهيد اصطحب معه أرملة وثكلى ويتيماً.
بعد صمت رهيب، خرج مسؤول من القصر وراح يحدق مذهولاً. لم يصدق المشهد. بدا الارتجاف واضحاً في يديه. طلب من شعب النعوش تشكيل لجنة وإعداد لائحة بمطالبهم لرفعها إلى الجهات المختصة لدرسها والبتّ بها. انطلقت من النعوش ضحكة سخرية هائلة. وسُمعت أصوات تقول: «نحن شهداء لم تعد لدينا مطالب، لكننا نتهمكم أيضاً بقتل الأحياء وتجويعهم وتهجيرهم وإذلالهم والاختباء خلف الحصانات. نتهمكم بأنكم جبناء عرفتم تباعاً على مدى سنوات بوحش نيترات الأمونيوم النائم في مرفأ بيروت ولم يجرؤ أحد منكم على رفع الصوت. لا أصحاب الأختام حكوا ولا أصحاب الأوسمة». وسُمع شهيد حاد اللهجة يقول: «نزع الانفجار كل أختامكم وأوسمتكم فلا تتأخروا في المثول أمام المحاكم، ولا جدوى من محاولة الالتفاف عليها». وسُمع آخر يقول: «كيف يحق لعون والحريري استهلاك شهور من حياة بلاد منكوبة في كيديات سياسية؟ في أي حال، هذا ليس غريباً. الحريري شريك في صنع الانهيار، وعون هو المهندس الأول للفراغ الرئاسي والحكومي. لقد استمر في هزّ الجمهورية حتى تسلمها مخلعة الهيبة والأبواب. كيف يقبل عون أن ينزل اسمه في التاريخ رئيساً لجمهورية نيترات الأمونيوم؟».
وفي الذكرى السنوية الأولى لزلزال المرفأ، اصطحب أحد الشهداء معه آخر تقرير عن الخسائر. عدد قتلى انفجار المرفأ 214 شخصاً. عدد الجرحى 6500. أكثر من 70 ألفاً خسروا وظائفهم. تضررت 73 ألف شقة. طالت الأضرار 106 منشآت صحية و163 مدرسة. لا يحب التشاؤم. شكر التقرير الدولي الذي أكد أن ما انفجر في المرفأ هو 20 في المائة فقط من حجم مادة نيترات الأمونيوم التي زرعتها سفينة غريبة وديعة في مرفأ بيروت. لا يريد أي جهاز أن يفكر في ظروف تبخر الكميات التي غادرت المرفأ من دون استئذان. هذه من أسرار الدولة كأسماء منفذي الاغتيالات ومرتكبي الانفجارات المروعة.
طالب شعب النعوش بخروج السيد الرئيس شخصياً لمحاورتهم. قال المستشارون إن الخروج محفوف بالأخطار، وإن الشهداء قد يقدمون على ممارسات يتجنبها الأحياء. ثم إن الرئيس لا يملك ما يقوله لشعب النعوش. وضع الدولة اليوم أسوأ من يوم تسلمه الرئاسة. وكذلك وضع المؤسسات العسكرية والمدنية. ووضع الناس. منذ استقلال لبنان لم يجتمع في عهد واحد، الانهيار والجوع والعتمة والذل وغياب الأمن والدواء. لم يسبق أن قفز شبان من «شعب لبنان العظيم» إلى «قوارب الموت» للاستقالة نهائياً من بلاد «التدقيق الجنائي» الذي وصل بعد وفاة المريض. المشكلة ليست في النعوش المرابطة في باحة القصر. المشكلة أن التاريخ قد يكتب أنه في هذه الأيام صنعت الطبقة السياسية الفاسدة نعشاً هائلاً مساحته تُطابق مساحة خريطة بلد كان اسمه لبنان وهي 10452 كلم2. إنها نهاية عهد ونهاية جمهورية وثمة من يجزم أنها نهاية بلاد. وقصة عون مؤلمة مرة لخصومه ودائماً لأنصاره. كم كان أفضل لو لم يدخل القصر بالطريقة التي اختارها والطريقة التي اضطر إليها.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.