.
.
.
.

الشمال السعودي ثروة جديدة

وائل مهدي

نشر في: آخر تحديث:

لم يحظَ شمال المملكة العربية السعودية بالمقومات الجيولوجية نفسها التي حظيت بها المنطقة الشرقية، التي تحتوي على أكبر حقلين، بري وبحري، للنفط في العالم (الغوار والسفانية)، لكن الطبيعة أعطت الشمال ثروة من نوع آخر، بدأت المملكة في استغلاها منذ يوم أمس، وهي الطاقة المتجددة.
فبعد إعلان وزارة الطاقة السعودية بالأمس عن بدء التشغيل التجريبي لأول توربينة رياح ضمن مشروع محطة دومة الجندل لطاقة الرياح، أضافت السعودية مصدراً جديداً للطاقة، ودخل الشمال ضمن نطاق ثروة الطاقة السعودية.
الشمال السعودي ليس بالمنطقة الجيدة للوقود الأحفوري حيث لا توجد في الشمال مكامن ذات أهمية، باستثناء بعض الحقول غير التقليدية للغاز وقليل من مكثفات الحقل التي تصنف على أنها نفط خفيف. ويوجد لدى شركة أرامكو السعودية محطة لإنتاج الغاز من حقل مدين الواقع قريباً من خليج العقبة. وكما هو معلوم، فإن إنتاج الغاز غير التقليدي أكثر كلفة من الغاز التقليدي؛ حيث يوجد هذا الغاز إما بين الصخور أو في جيوب رملية مدفوناً تحت الرمال، ويتطلب استخراجه وإنتاجه طرق مختلفة.
بينما تحظى المنطقة بمقومات رياح وسقوط عمودي لأشعة الشمس يعد الأفضل في المملكة وبسرعات للرياح جاذبة للمستثمرين. فعلى سبيل المثال تبلغ سرعة الرياح في منطقة نيوم في المتوسط نحو 10.3 متر في الثانية وهذه سرعة مشجعة لاستغلالها لتحريك توربينات الهواء. أما طاقة الشمس فإن كل متر مربع من الأرض في منطقة مثل نيوم ينتج نحو 20 ميغا جول نتيجة سقوط أشعتها عليه. والوضع في باقي الشمال قريب من الأرقام المشجعة في منطقة نيوم.
واستغلال هذه الطاقة المتجددة أصبح ضرورة استراتيجية للمملكة. وبالنسبة لمشروع مثل مشروع دومة الجندل ومشروع محطة الطاقة الشمسية في سكاكا، فإنها قادرة على تغيير كثير من وضع الطاقة في المملكة حيث ستساعدها على تخفيض الانبعاثات الكربونية بنحو 1.5 مليون طن سنوياً على الأقل. وبإمكان هذين المشروعين تلبية احتياج نحو 120 ألف وحدة سكنية في المملكة بالطاقة النظيفة حيث يبلغ إجمالي قدرتهما الإنتاجية نحو 700 ميغاواط.
وإذا ما أضفنا لهذه القدرات، مشروعات نيوم المستقبلية، التي قد تصل إلى ما بين 15 إلى 25 غيغاواط من الطاقة المتجددة، فإن الشمال بإمكانه إنتاج ربع احتياج المملكة من الكهرباء بطريقة نظيفة. هذه الطاقة تخفض الانبعاثات وتدعم جهود السعودية في مكافحة التغير المناخي وتخفف الضغوط عليها وتسمح لها بتلبية الطلب على الطاقة من مصادر مستدامة، وتوفر كثيراً من الغاز للصناعات، والنفط للتصدير، بدلاً من حرقهما لإنتاج الكهرباء للمنازل.
الأمر الآخر الذي يدعم دور الشمال هو قربه من دول مستهلكة للطاقة بإمكان السعودية تصدير الكهرباء إليها، من أي مصدر، من خلال ربط الخطوط الكهربائية وبإمكان هذه الكهرباء أن تنتقل من السعودية إلى مصر والعراق وتركيا وأوروبا وكثير من الدول، وبذلك تعمق الدور الاستراتيجي لقطاع الطاقة السعودي.
تساعد في هذا البنية التحتية المتطورة التي تعمل عليها المملكة حيث تم تركيب نحو 10 ملايين عداد ذكي في المنازل ستساعد مستقبلاً على بيع فائض الكهرباء التي يتم إنتاجها في المنازل من طاقة متجددة على الشبكة، وبالتالي تصديرها للخارج. من باب العلم، هناك مشروعات صغيرة في الولايات المتحدة في الأحياء السكنية حالياً تعمل بهذا الشكل حيث يتم بيع الكهرباء بين البيوت من خلال تقنية البلوتكشاين وتحصل المبالغ بين السكان إلكترونياً بدون الحاجة إلى أي عقود وإجراءات. وقد يكون هذا مستقبلاً في شمال المملكة.
أخيراً، إذا كانت المنطقة الشرقية هي المحرك الاقتصادي للمملكة في الماضي، فإن الشمال هو المحرك الاقتصادي للمستقبل، لكن لا يزال الطريق في بدايته، ونحن في انتظار الإعلانات والمشروعات المقبلة.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.