.
.
.
.

موجة كورونا الرابعة

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

قالت مصادر مسئولة إنه من المنتظر أن يلم بمصر موجة رابعة لوباء الكورونا مع نهاية شهر سبتمبر وأوائل شهر أكتوبر المقبلين. وكانت ذات المصادر قد تنبأت بالموجة الثالثة السابقة التي تلت شهر رمضان وعيد الفطر المبارك. ودون الدخول في تفاصيل كثيرة فإن هناك أمرين لابد من تذكرهما دائما: أولهما أن الوباء لم ينته ومع النصف الثاني من السنة الثانية بعد الوباء، ورغم انتشار اللقاحات لمن يريد، والتعود على بعض الاجراءات الاحترازية، فإن الثابت أنه لا توجد نهاية منظورة للجائحة، وما بات ممكنا هو التعود علي المعتاد الجديد الذي يتضمن إجراءات لابد منها في الدخول والخروج في المؤسسات والساحات العامة، أما تدابير السفر والتلاقي مع العالم فإنها تستوجب إجراءات رسمية لابد منها وربما بات واجبا علينا الاستعداد لها من الآن. وثانيهما أنه قد بات ضروريا مأسسة هذه الحقيقة ليس فقط على المستوي الوطني وإنما على المستوي العالمي؛ فلم يعد معقولا أن يترك هذا الامر لكل دولة علي حدة، أو حتي لشركة طيران حسب ما تقرر وتراه صالحا للحالة الصحية. ومن الجدير بالذكر أن هناك عرفا يتكون الآن، ولكن هذا العرف يحتاج إلي تقنين، وترجمة إلي اللغة الإنجليزية المستخدمة في المعاملات والمطارات الدولية. وربما يكون على مصر أن تكون مبادرة في هذا المجال ليس فقط لأنه سوف يسهل علي مواطنيها عمليات السفر، وإنما أكثر من ذلك أنه سوف يسهل إجراءات السفر إلي مصر. وكان قد تردد مبكرا فى أثناء الأزمة أنه بات متوقعا أن يكون هناك نوع من جوازات السفر الصحية التي يوثق فيها اللقاحات ومواعيدها، وكذلك إجراءات للكشف الدوري واختبار وجود الوباء بصورة دورية.

المسألة هي أن البلاء جاء للعالم على غرة، وما كان جاريا من عمليات للعولمة وتحول العالم إلي سوق كبري للإنتاج والاستهلاك واجهته كارثة فيروس عالمي بكل معني الكلمة. كان العالم ساعتها يواجه حالة من الارتباك، وحركة بندول التوجهات السياسية من الليبرالية إلي اليمين المحافظ بنوعياته الجديدة القائمة علي زواج الدولة القومية مع العزلة السياسية والثقافية. ظهرت شخصيات لم يكن مقدرا لها أن تظهر أبدا قبل عقد من الزمان مثل ترامب في الولايات المتحدة بولسونارو في البرازيل ومودي في الهند وبوريس جونسون في بريطانيا وأردوغان في تركيا، ومعهم ظهر أمثال في بولندا والمجر وعواصم أخري في العالم، وظهر الشعار أن دولتهم كانت دائما أولا، ومعها بات الجميع يأتون في أسفل السلم، والترتيب الإنساني، وفي كل الأحوال كانت هناك ثورة مضادة لكل التراث الإنساني لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. بدا كوكب الأرض وما يقتسم فيه من خيرات، وما يحتوي عليه من مثل إنسانية، ومن روابط تمثلت في اتفاقية باريس لحماية الكرة الأرضية من الاحتباس الحراري، وفي التزامات رتبتها منظمات دولية مثل الصحة العالمية، وغير ذلك من تنظيمات وروابط، لا ضرورة لها ولعلها في الأول والآخر مضرة بالأمم لأنها من ناحية لا جدوى منها إلا الكثير من الكلام، ومن ناحية أخري كانت وثيقة الصلة بالمؤامرة الدولية لليبرالية وأصحاب الأصوات العالية بلا جدوي ولا فائدة.

ولكن، وإلى حد كبير، كان الفيروس التاجي اختبارا هائلا لكل هؤلاء، فمن ناحية فإنهم لم يستوعبوا ما حدث، وتأخروا جميعا في الاستجابة إلي خطر كبير. ومن ناحية أخري كان جميعهم يرون في العلم حالة من النصب الدولي المتشحة برداء قوانين الطبيعة وكيف تعمل في الواقع، ومن ثم كانت استجابتهم ضحلة لآراء العلماء والمؤسسات التي يمثلونها وما لها من تقاليد. كان في الأمر كله نوع من عملية النصب العالمية التي وراءها شركات الأدوية الساعية إلى الربح، والشبكات الليبرالية الدولية التي تريد سرقة الدول المتقدمة لمصلحة الدول المتخلفة، وحول كل هؤلاء الإعلام العالمي الذي يتحرق شوقا لكل ما هو مثير، وعلي استعداد لتجاوز الحقيقة للتغطية علي الصين التي كانت المصدر الأول للفيروس الخطير. النتيجة كما هو معلوم كانت فشلا ذريعا في التعامل مع وباء سقط فيه عشرات الملايين مرضي، وملايين سقطوا ضحايا، وانتاب الاقتصاد العالمي حالة من الركود والتراجع ذكرت بالكساد الكبير في الثلاثينيات من القرن الماضي. وأعقب هذه النتيجة نتائج أخري سقط فيها كثيرون من القادة في الانتخابات بسبب سخط الجماهير. وفي دولة مثل تونس جرت الإطاحة بحكم الإخوان بعد أن ثبت فشل ذريع ليس فقط في إدارة شئون الدولة، وإنما مواجهة فيروس قاتل. وفي مناطق أخري من العالم كان الفيروس يمهد ويحضر كما حدث في طهران، حيث اجتمعت كارثة الجائحة مع الجفاف، مع سياسات فاشلة لكي تؤشر على مجيء تغيير كبير طال انتظاره.

في مصر جاء الوباء فيما بدا على السطح نوعا من الاختبار الذي أتي علي بلدان أخري، وزاد عليها أن مصر كانت تمر بعملية تعبئة كبيرة للموارد من أجل وضع الأساس للتنمية المستدامة، ومن ثم كانت الجائحة ضربة من ضربات الحظ العسر لمشروع لم يكتمل ولم تنضج ثماره بعد. ولكن الحقيقة كانت أن التعبئة المصرية جعلت من مجيء الفيروس نوعا من إضافة تحد إضافي لعشرات التحديات الأخرى؛ ولذا كان ممكنا تجاوزها بقدر معقول من الحكمة وتطوير القطاع الصحي الكبير. والآن فإن النبوءات الخاصة بموجة رابعة للكورونا ربما لم تثر ذعرا كبيرا فقد مررنا بهذه العقبة من قبل، وآن الأوان لتجاوزها بسرعة فأمام الدولة جدول أعمال وأولويات كثيرة، ومواسم لافتتاحات مشروعات عملاقة.

نقلاً عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.