.
.
.
.

من وحي تونس

عبد اللطيف المناوي

نشر في: آخر تحديث:

الطب النفسى عرف المرض النفسى «الإنكار» بأنه ما هو إلا حيلة دفاعية شائعة بين الناس، فالأم شديدة التعلق بابنها تُنكر أى عيوب أو نقائص فيه. والفرد نفسه يميل لإنكار ما به من عيوب، أو قصور، أو ما يقابله من فشل، عند فقدان السلطة أو عندما يواجه الإنسان بشىء يفوق احتماله كموت عزيز أو معرفته بإصابته بمرض خطير أو مرض إنسان آخر يهتم بأمره كثيرًا يلجأ فى كثير من الأحيان لتقنية دفاعية تعمل كحاجز بينه وبين ما لا يستطيع مواجهته.

هذه التقنية الدفاعية تُعرف بالإنكار، إذًا فالإنكار أحد ردود الفعل البشرية المعروفة والتى قد تظهر كرد فعل فردى على مشكلة شخصية أو حتى رد فعل جماعى فى حالة وقوع مجموعة بالكامل تحت إحساس كاذب بالقوة أو تضليل فى مرحلة تالية، وإذا ما قادت الظروف للحوار مع أحد المنكرين ينكشف كيف يعميه الإنكار عن كوارث تحيط به من كل جانب يرفض التعامل معها ومواجهتها حتى تستفحل وتنفجر أمامه، وربما يسوقه هذا لاستخدام التبرير كسلاح دفاعى آخر يغطى به قصوره وما أكثر أسلحة النفس الدفاعية المضللة.

لا أظننى متجاوزًا لو اعتبرت أن جماعات الإسلام السياسى، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، هى نموذج واضح يصلح كدراسة حالة عن هذا المرض المدمر لأصحابه، والميزة هنا أن هذه الجماعة عانت المرض فى وقت القوة والتمكن، وفى وقت الانحسار والهزيمة، والغريب فى الأمر أن النتيجة مع اختلاف الممارسة واحدة، وهى فى النهاية نتائج تدميرية.

عندما تمارس هذه الجماعات السلطة وتُحكم قبضتها فى أمور البلاد والعباد فإنها تتسبب فى إفساد الحياة على الجميع، ويظلون هم ينكرون الحقيقة والواقع الذى يقول إنهم تسببوا فى انهيار الدولة، ينكرون معاناة الناس ويتملكهم العند فيكفر الناس بهم وبسياستهم، ثم يكشفون وجههم الحقيقى وتوجهاتهم وانتماءاتهم. فهم يعيشون حالة إنكار مرضى. يرفضون تصديق أن أحد أسباب سقوطهم معاندة الناس والواقع وسوء الإدارة الحكومية الفاضح والصارخ. وأيضًا عجزهم عن تحقيق أدنى درجات التعايش والتعددية مع القوى السياسية.

يُصابون بحالة من العمى نظرًا وبصيرة، مما يجعلهم عاجزين عن قراءة ما يحدث أمامهم وبأيديهم قراءة سياسية عاقلة واعية بمخاطر ما يفعلون بأيديهم، رغم نصائح كثيرة سمعوها من أصدقاء لهم وأصحاب مصلحة معهم، حذروهم مسبقًا من هذه الأخطاء، لكنهم لم يدركوا أن قيادة جماعة نشأ أعضاؤها على السمع والطاعة مسألة تختلف تمامًا عن قيادة شعب.

مثل هذا الكلام سبق أن قلته وقت سقط الإخوان فى مصر، ويبدو صالحًا لما يجرى فى تونس.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.