.
.
.
.

"الفوضوية" تهمة على مقاس الغرب يوجهها الغنوشي لسعيّد

حكيم مرزوقي

نشر في: آخر تحديث:

زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي ومؤيدوه أقلعوا عن استخدام المفردات التقليدية في قاموس المظلومية السياسية واستبدلوها بـ”فزاعات شعاراتية” يفهمها الغرب جيدا ويحسب لها ألف حساب.

لم تعد شعارات الأمس من قبيل “الاضطهاد” و”الإقصاء” و”قمع الحريات الدينية” التي كانت تستخدمها جماعة الغنوشي في المنابر الغربية أثناء حكمي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي قادرة على الإيفاء بالغرض، وإقناع الديمقراطيات الأوروبية بـ”عدالة قضيتهم” بل صار من الحكمة لدى هؤلاء المتلونين، البحث عن المفردة المناسبة في الوقت المناسب، ومخاطبة الغرب بلغته المستجدة ومزاجه الراهن.

وليس هناك أنسب الآن من اتهام خصمك السياسي بالفوضوية، والسعي لتقويض بنيان الدولة في وقت يحتاج فيه الجميع إلى سلطة تحتكر العنف لصالح شرعية الدولة، ويحد من الاحتجاجات العشوائية التي لا تخدم إلا الشعبوية، خصوصا تحت سطوة جائحة كورونا وتبعاتها التي أصابت العالم بمس من الجنون.. وتونس واحدة من البلدان التي تتهددها فوضى عارمة لا تُحمد عقباها.

الحقيقة أنّ كل شيء في هذا البلد المحتقن قابل للاشتعال.. إنها كومة قش تنتظر عود ثقاب.. وقيس سعيّد في نظر حركة النهضة، هو ذاك الرجل الذي يمسك بعلبة كبريت ويلوّح بها دائما أمام خصومه السياسيين ليفعل بتونس ما فعله نيرون بروما وفق الأسطورة السائدة.

قيس سعيّد بقامته الطويلة ذات الظل العالي وصوته الجهوري الفصيح الذي يليق بقارئ بيانات عسكرية، وصاحب النظرات الشاخصة نحو الأفق المجهول، هو ذاك الذي “قد يفتح باب الفوضى المدمرة على مصراعيه ويصيب ديمقراطيتنا الناشئة في مقتل”، وفق زعم حركة النهضة.. لذلك وجب إيقافه عند حدّه.. تقول تقارير وتشكّيات جماعة الغنوشي للغرب الأوروبي والأميركي.

لم يستخدم الإخوان في تونس هذه المرة في بياناتهم وتصريحاتهم للإعلام الأجنبي أي مفردة تتعلق بـ”المس من هوية البلاد الإسلامية” ولا “قمع الممارسات العبادية” وغيرها من الكليشيهات المستخدمة في دفاترهم العتيقة بل ركزوا على التحذير من وقوع البلاد في نوع من “الأناركية” (الفوضوية) وفق المصطلح الغربي الذي يعني كلمة “بلا حكم” في اليونانية القديمة، ثم صار تعبيرا عن تيار فكري على مدار القرون الثلاثة الماضية صاغه بعض المفكرين، وعلى رأسهم الإنجليزي جودوين، والروسي كروبوتكين، والفرنسي براودهون، وغيرهم. وهو ما يمكن عدّه ثورة على المفاهيم التقليدية للمسيرة الفكرية والسياسية للإنسانية، من بينها الدين الذي يعتبره الفوضويون وسيلة لقمع الفرد وتدجينه، بالإضافة إلى شيطنة الدولة ورفض سطوتها الضريبية التي تسعى للمزيد من إفقار المواطن.

هذا الاتهام تكرّر مرارا على لسان الغنوشي وغيره من قيادات حركة النهضة كتلك التدوينة التي كتبها صهره رفيق عبدالسلام يوم إقدام متظاهرين على إحراق مقرات حزب حركة النهضة يوم الخامس والعشرين من يوليو “قيس سعيّد يسعى لتنصيب نفسه الحاكم المطلق عن طريق تنسيقيات شعبوية فوضوية متحالفة مع البلطجية”. ودعا رئيس الجمهورية إلى ضرورة أن يختار بين ”الفوضى أو الدولة” وأن ”لا يختفي وراء مجلس الأمن القومي لأنه أصبح جزءا من المشكلة وليس جزءا من الحل”.

التوجسات من شخص قيس سعيّد و”فوضويته” ليست غريبة على حركة النهضة وقيادييها منذ انتخابه رئيسا يناصره جمهور من الشباب والفقراء والمعطلين والهامشيين دون أن يقف خلفه حزب سياسي أو تموّل حملته طبقة اقتصادية أو تدعمه جهة أجنبية. نعم، كل ما يوحي به شخص هذا الرجل وسلوكه السياسي وتصريحاته هو أنه من ذاك النوع النادر والمحبّب لدى فئة الفوضويين الذين لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن نضعهم في سلّة واحدة، فمنهم المثقف المبدع والفنان المتألق والوطني الغيور.. ومنهم غير ذلك.. فليكن.. ولعل رأي القيادي في حزب الغنوشي محمد بن سالم، لم يجانب الصواب حين قال في لقاء إذاعي قبيل إعلان فوز قيس سعيّد بالرئاسة يوم 18 سبتمبر 2019، إن ”قيس سعيد لا يمكن أن يكون العصفور النادر لكن في الهم عندك ما تختار”، مشيرا بقوله ”هذا الرجل يساري المنشأ وقد انشق رفقة أصدقائه عن حزب الوطنيين الديمقراطيين اليساري، وأصبح أكثر تطرّفا منه”، وتابع بن سالم في لقائه الإذاعي ”أنا حينما أقول سأدعم قيس سعيّد فقط لأنه مؤمن بالثورة لكنه متطرف في العلمانية ولديه أفكار فوضوية وله علاقات بأناس فوضويين”.

من ضربك على يدك يا سيد راشد الغنوشي ـ أنت وجماعتك ـ حتى تساند في البداية، انتخاب رجل تعلم سلفا أنه “فوضوي” ثم تعود لتذكّر العالم وتحذره من “فوضويته”.. أليس هذا ضربا من التلوّن الحربائي واستعدادا للتضحية بكل شيء مقابل البقاء في السلطة؟

قيس سعيد لم يبدّل تبديلا، وظل يتجول في شارع بورقيبة بقامته الفارعة مثل نخلة وهو يحيّي أنصاره ومؤيديه من مختلف الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية، لكن راشد الغنوشي اختفى من المشهد وتلقى الانتكاسة تلو الأخرى حتى أن الكثير من جماعته ومقربيه نصحوه بالخروج من هذا الباب الصغير قبل أن تنسدّ أمامه كل المنافذ.

يريد زعيم حركة النهضة التي لم يعد زعيمها الفعلي أن يتذاكى على الغرب الأوروبي والأميركي في نظر الكثير من المحللين عبر تحذيراته المتكررة في وسائل إعلام أجنبية من سلوكيات قيس سعيّد التي قد تبدو في ظاهرها تحظى بالتأييد الجماهيري، لكنها تخفي عواقب وخيمة في نظره، تتمثل في تشجيع الناس على شق عصا الطاعة ضد مؤسسات الدولة، مما ينذر بعصيان مدني مزمن، ويؤسس لسابقة لا تحمد عقباها في المنظور القريب والبعيد.

يجنّد أنصار هذا الزعم كل كتب التاريخ ونظرياته لإثبات صحة هذا الادعاء والقول بأن “ألف يوم بحاكم ظالم، أفضل بكثير من يوم واحد دون حاكم” كما قال التونسي عبدالرحمن بن خلدون، لكن هذه المقاربة لن تنطلي على من خبر ألاعيب قادة الإسلام السياسي ومراوغاتهم المعهودة المبنية على ازدواجية الخطاب.

الذين سينصتون إلى “نصائح الغنوشي” من الأوروبيين هم صنفان: إما مغفلون يأخذون بنصيحة الذئب تحت ذرائع استباقية قد تضمن لهم بعض الأمن والاستقرار، وإمّا من ذوي العقلية الاستعمارية بالغة الاستعلاء والاستهتار بإرادة الشعوب في العيش بكرامة وحرية، وذلك من مبدأ أن الإسلاميين وحلفاءهم من الفاسدين سيحافظون على مصالحنا مقابل أن يغنموا من ثروات شعوبهم، ولا عزاء للمتخلفين.

هذا الأمر يشبه ويقترن بالمقايضة التي أطلقها الغنوشي على شكل تحذير موجه للحكومات الأوروبية، إما أن تردعوا قيس سعيد عن حركته مع الجماهير الغاضبة وتعيدونا إلى البرلمان ورئاسة الحكومة أو نطلق حشود المهاجرين ونسهّل عبورهم إلى أراضيكم على متن المراكب المتهالكة.. وهو أمر غاية في الصفاقة والاستهتار بأرواح جماهير الشبان المعطلين عن العمل في بلدهم أي نحاربكم بضحايانا في التنمية والتشغيل الذين سنضحي بهم مرة ثانية ونشجعهم على امتطاء مراكب الموت.

وهذا الابتزاز السياسي يذكّر بتهديدات الزعيم الليبي معمر القذافي قبل أن تجهز عليه ثورة السابع عشر من فبراير.

لنتوقف عند “الاتهام” الذي وصف به الإسلاميون في تونس خصمهم قيس سعيد، ونقيّمه بمعزل عن التسمية التي من شأنها أن تدعو إلى النفور والاشمئزاز: ألم يعرّف منظر الفوضوية الروسي كروبوتكين فكرته على أنها الخطوة التالية لمستقبل البشرية في ظل المأزق السياسي والاقتصادي الذي تعيشه الشعوب؟

إنها مسألة تسميات لا أكثر ولا أقل.. وما يسميه الإسلاميون بالفوضوية هو ببساطة تصحيح لمسار يجب أن يصحح، حتى أن ما لفت انتباه متابعي الأخبار في تونس هو مشهد طريف لشاب مؤيد لقيس سعيد، رفع يافطة كتب عليها “إذا كان هذا انقلابا، فنحن مع الانقلاب”.

نقلاً عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.