.
.
.
.

ما حدث كان مخيفاً

كرم جبر

نشر في: آخر تحديث:

دون أن يغضب منى أحد أقول: المنطقة لا تزال تدفع ثمن غزو العراق للكويت فى 2 أغسطس 1990، ورغم مرور 31 سنة، فإن الجرح لم يندمل بعد، فما حدث كان مخيفاً.
كان الغزو طعنة نافذة فى قلب العروبة، وتغيرت المفاهيم وانقلبت الموازين، ولم يعد الأمن القومى العربى مهدداً من إيران أو إسرائيل أو تركيا، ولكن مع الأخ والصديق والشقيق.
لم يكن الكويت إلا سنداً قوياً للعروبة، ولم يكن الكويتيون سوى مناصرين لقضايانا الوطنية، وفجأة وجد الوطن الآمن المستقر نفسه منتهكاً من شقيق، لم يراع العروبة ولا الأخوة ولا الإسلام.
كان الكويت مناصراً للقضية الفلسطينية، وداعماً لها بكل قوة مادياً ومعنوياً، وفجأة وجد بعض الفلسطينيين المقيمين على أراضيه ويتمتعون بحقوق المواطنة، إما داعمين للغزو أو شامتين فيما حدث.
وللكويت وشعبها كل العذر فى الغضب.. ووقع العرب جميعاً فى براثن حرب أتت على الاخضر واليابس.
قبل الغزو بشهر واحد ارتدى رئيس العراق ثوب المدافع عن العروبة، واتخذ تدابير هى الأكثر إيجابية فى تاريخ العمل العربى المشترك، ليس من أجل العرب، ولكن لنصب المصيدة تمهيداً لغزو الكويت.
دعا صدام إلى قمة عربية فى قصره ببغداد، وقرر أن ينهى الحرب المدمرة مع إيران وأطلق سراح الأسرى الإيرانيين، لا من أجل حقن الدماء ولكن لتغيير عجلة الحرب من إيران إلى الكويت والخليج، وظنَّ أن الكويت لقمة سائغة، سينتهى من التهامها فى ساعات.
لكنه فتح على المنطقة كلها بوابة جهنم، وكان أول من دفع ثمنها الفادح.
استعرض جيشه البرى الذى كان حامياً للبوابة الشرقية، فى ضرب بلد مسالم وآمن، ولم يستجب لأى نداءات بحقن الدماء وعدم الإقدام على الغزو وأن يراعى الأخوة والعروبة والإسلام، ولكن ذهب كل ذلك أدراج الريح.
ابتلع الرئيس العراقى الطعم الذى قمته له السفيرة الأمريكية فى بغداد جلاسبي، وقالت له كلاماً غامضاً، فهم "هو" منه أنه إذا أقدم على غزو الكويت، فلن تتخذ أمريكا أى موقف ضده، بل ربما تصمت على الغزو، وراهن على حسابات خاطئة وهى أن جيشه يمكن أن يغرق جيوش الغرب إذا جاءت فى مياه الخليج، وأن الكويت ستصبح المحافظة رقم "19" بعد ساعات.. وحدث الغزو المشئوم.
كل الجروح يمكن أن تندمل بمرور الوقت إلا غزو الكويت، الذى لا يزال ينزف حتى الآن، وجلب على المنطقة كل النكبات التى حلت بها.
أولها: حرب تدمير العراق والقضاء على صدام والجيش العراقى وتدمير قدرات وطن عظيم كان سنداً للعرب.
وثانيها: سلسلة الانهيارات المرتبطة بالغزو وأهمها أحداث 11 سبتمبر 2001 فى امريكا وانهيار برجى التجارة، فأصبح العراق فى صدارة الدول المطلوب تدميرها، وجاءت الجيوش الأجنبية للمنطقة، بصورة لم نشهد مثلها إلا فى أفلام السينما.
وثالثها: إيقاظ شيطان الجماعات الإرهابية، لتتولى تفجير دولها وقتل شعوبها من الداخل على طريقة "لا تقتلهم بل دعهم يقتلوا أنفسهم".
ورابعها: استهداف الجيوش العربية وتفكيكها وتدميرها، وترك الدول دون مظلة وطنية تحمى أراضيها وتدافع عن شعوبها.
دون أن يغضب منى أحد.. دروس التاريخ مهمة ومفيدة، وترسم الطريق إلى الحاضر والمستقبل، وأهمها: لا تطمع فى الآخرين حتى لا تكون مطمعاً للاقوى منك.

نقلاً عن "أخبار اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.