.
.
.
.

اتحاد الشغل

عمرو الشوبكي

نشر في: آخر تحديث:

من حسن حظ تونس أن تجربتها السياسية عرفت مؤسسة نقابية عملاقة مثل الاتحاد العام التونسى للشغل، فهو يعتبر النقابة الأهم فى البلاد، وواحدة من أهم النقابات العمالية فى العالم العربى وإفريقيا.

وقد تأسس الاتحاد فى 20 يناير 1946 على يد المناضلين فرحات حشاد ومحمد الفاضل بن عاشور، ومقره تونس العاصمة، وله 24 اتحادا جهويا و19 منظمة قطاعية و21 نقابة أساسية، وهو عضو فى الاتحاد الدولى لنقابات العمال الحرة، وفى اتحاد النقابات الدولى، ويمتلك صحيفة تسمى الشعب.

وظل الاتحاد التونسى للشغل جزءا من مشروع الدولة الوطنية التونسية، ومع ذلك فإن هذا لم يمنعه من الصدام أحيانا مع رؤساء سابقين مثل الزعيم المؤسس الحبيب بورقيبة، والرئيس الأسبق زين العابدين بن على، وفى نفس الوقت أقام مواءمات معهما ومع السلطة السياسية.

وظل الاتحاد منذ الثورة التونسية كيانا وطنيا ونقابيا كبيرا، وحجر زاوية رئيسيا فى تفاهمات كثيرة شهدتها البلاد، فكان أحد مكونات رباعى الحوار الوطنى الذى حصل على جائزة نوبل للسلام فى 2015، حيث نجح فى إخراج تونس من أزمتها السياسية عبر الحوار الوطنى، والتوصل للمصادقة على دستور 2014 وتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية.

وعاد الاتحاد ولعب دورا مميزا فى الأزمة الأخيرة، ومثلت قوته وتنظيمه وانتشاره الطرف المقابل، القادر على أن يواجه حركة النهضة إذا خرجت عن الدستور والقانون، وهددت مدنية الدولة.

ويكفى قراءة البيان الذى أصدره الاتحاد يوم الثلاثاء الماضى، عقب الاجتماع الاستثنائى لهيئته الإدارية، وكيف أنه دعم عمليا قرارات قيس سعيد دون نفاق أو تزلف، وأقر برصيدها الشعبى، حين قال بشكل واضح: «إنّ التدابير الاستثنائية التى اتّخذها رئيس الجمهورية كانت استجابة لمطالب شعبية، وحلاّ أخيرا لتعقّد الأزمة التى تمرّ بها البلاد فى غياب أىّ مؤشّر لحلول أخرى عمل كثيرون على إحباطها. ونذكّر بضرورة توفير كلّ الضمانات للحفاظ على المكتسبات المجتمعية، وضمان الحقوق والحريات وفى مقدّمتها الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعية والنقابية المضمّنة فى الدستور، وتدعيم المسار الديمقراطى وتطويره بالاحتكام إلى الآليات الديمقراطية والتشاركية».

هذا البيان يمثل رسالة لكل من تيار النهضة وحلفائه الإقليميين الذين اعتبروا أن الديمقراطية تعنى تفصيل نظام سياسى على مقاس حزبه وإخوانه، وأنه لا توجد مشكلة فى انهيار النظام الاقتصادى والصحى ورفض إصلاحات رئيس الجمهورية طالما يسيطر «النهضة» وحلفاؤه على البرلمان، وأيضا رسالة لدعاة الاستبداد الذين اعتبروا أنه ليس مهما التمسك بالدستور والديمقراطية.

إن وجود مؤسسة كبيرة مثل الاتحاد التونسى للشغل، قادرة على أن تكون نقطة توازن فى النظام السياسى وصوت الناس، وتؤمن فى نفس الوقت بمدنية الدولة وبالديمقراطية والقانون، يجعل هناك صعوبة فى أن ينقض حزب مثل النهضة على الدولة ويسيطر عليها، أو أن يتحول الرئيس «سعيد» إلى ديكتاتور يعصف بالدستور والقانون

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.