.
.
.
.

"الإخوان المسلمون" وصناعة الفتنة في تونس

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

تجاوز "الإخوان المسلمون" فكرة الدعوة إلى الفوضى وإثارة الفتنة إلى احتراف هذه الصناعة، بعدما راجت في منطقتنا العربية بصورة ربما أغرت التنظيم على مدار عقد كامل فوصلوا الى السلطة في أكثر من دولة، وبالتالي نجحوا في إزاحة أنظمة سياسية في بعض الدول وإثارة القلاقل في دول أخرى، ولم تُدرك الشعوب العربية حقيقة التنظيم إلا بعدما تصدروا المشهد السياسي في هذه البلدان.

عندما بدأ التنظيم يطل بأفكاره وبرأسه للسيطرة على مفاصل الدول التي هو فيها، بدأ الرفض الشعبي لهذا التنظيم يأخذ مساحة أكبر وأوسع، فأفضل ما فعلته هذه الشعوب أنها كشفت عن أفكاره المختبئة وسلوكه غير الواضح، فبات في مواجهة مع النّاس والحياة والشعوب، وكان السقوط الحقيقي.

عاش تنظيم "الإخوان المسلمين" قرابة مئة عام، وكان يمكنه أن يعيش مئة عام أخرى لو أنه حافظ على نفسه بعيداً عن اختبار الحياة والناس والحكم، ولو أنه حافظ على العزلة الشعورية التي فرضها على نفسه قبل أن يصل إلى السلطة، وقتها فقط كان يمكن للتنظيم أن يعيش أكثر، ما دون ذلك فسقوطه كان حتمياً، كما أن صعوده كان مزيفاً وارتبط بشعارات لا علاقة لها بحقيقة التنظيم.

لم تكن ثورة المصريين على تنظيم "الإخوان المسلمين" في مصر عام 2013 مفاجئة، فإرهاصات الرفض الشعبي كانت واضحة، والأمر لم يكن متعلقاً بأداء التنظيم سياسياً، فقد يكون الأداء السياسي جزءاً من عملية السقوط، وهنا لا بد من أن نشير الى أن سقوط الحركة كان سقوطاً قيمياً يتعلق بالفكرة المؤسسة للتنظيم، وهو أصعب أنواع السقوط، فمعه لا يستطيع التنظيم أن يعود الى الحياة من جديد.

الخلاف حول أداء الحركة سياسياً في مصر وتونس، محل جدل، قد يقبله البعض أو يرفضه، ولكن سقوط التنظيم في كلتا الدولتين ارتبط في المقام الأول بحكم كلا الشعبين على أفكاره، ولذلك ما يحدث هو بمثابة انهيار للفكرة المؤسسة له، اكتشفت الشعوب العربية أن جماعة "الإخوان المسلمين" لا تمتلك أي مشروع، سواء كان سياسياً أم فكرياً، بل لا تمتلك مقومات الحياة، فلفظتها كما يلفظ جسم الإنسان أي عضو غريب يمكن زراعته بداخله حتى ولو كان بغية الحياة.

"الإخوان المسلمون" مصنع متنقل للفوضى، لا يؤمنون بفكرة الوطن ولا بالآخر المختلف فكرياً أو دينياً، كما أنهم لا يؤمنون بالمواطنة، فليس غريباً على التنظيم أن يرفع شعارات، قد لا يكون لها مردود حقيقي على أرض الواقع؛ فعلى قدر ما يرفعون من شعارات من عينة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" في إشارة إلى حقوق المسيحيين في مصر على قدر ما يرفضون توليهم الحكم من منطلق فقهي، فخياراتهم الفقهية لا تتّسق مع شعاراتهم التي يرفعونها والعكس صحيح.

على غرار فكرة الشعارات، زعيم "حركة النهضة" التونسية راشد الغنوشي، يرفع شعار ضد الاستبداد والدكتاتورية، وهو أول من مارسها، فلك أن تتخيل أنه يتولى رئاسة الحركة أكثر من ثلاثين عاماً، فبعد التغيير السياسي في تونس وجمع شمل "الحركة" في الداخل، أجهز الغنوشي على "الحركة" وما زال، بدعوى أنه الأكثر حكمة وحنكة في إدارة التنظيم، ليس هذا فحسب، ولكنه قدم نفسه لرئاسة البرلمان، وهو ما نجحت "الحركة" في أن تلبيه لقائدها الثمانيني.

يتنافى وجود الغنوشي على رأس السلطة التشريعية في تونس، وهو ابن الثمانين عاماً، مع شعارات التنظيم التي يرفعها، من ضرورة إتاحة مساحة للشباب يتولون فيها المناصب السياسية، فهم وقود الحياة في أي دولة؛ الشباب وقود ولكنه قد يتحول إلى حطام إذا ما اصطدم ذلك بسلوك التنظيم الذي يبحث عن مصالحه الخاصة ومصالح أمرائه وقادته.

يحدثنا المراقبون عن خطر تنظيم "الإخوان المسلمين"، ويربطون بين هذا الخطر واستخدامهم العنف، غير أن الشعوب كانت أكثر ذكاءً ورصداً للإخوان، فقد تجاوزت الجدل حول علاقة الإخوان بالعنف، حيث أدركت أن التنظيم تعدى مرحلة التهديد بالعنف إلى استخدامه فعلاً، ولذلك كان ردها سريعاً وحاسماً من خلال لفظ التنظيم، وهو ما حدث في مصر والسودان وتونس، وما زال العقد ينفرط.

لا شك في أن "الإخوان المسلمين" في تونس سوف يستخدمون العنف ضد السلطة وضد الشعب التونسي؛ ضد السلطة التي واجهت هذا التنظيم، وضد الشعب الذي أيده ورفض وجوده على رأس السلطة، فكل منهما انعكاس للآخر، ومن هنا سوف يكون انتقام الحركة باستخدام العنف.

منذ اللحظة الأولى التي أصدر فيها الرئيس التونسي قيس بن سعيد قراراته التصحيحية، واستخدمت الجماعة العنف بمستوياته اللفظية والسياسية؛ وهو التهديد باستخدام العنف الجنائي، وهي أعلى مرحلة من مراحل العنف، وقد يتطور إلى إرهاب، وقد يصل إلى مرحلة الإرهاب العنيف، مقدمات العنف هذه سار عليها ومن خلالها "إخوان مصر" حتى باتت لهم ذراع عسكرية وميليشيات مسلحة، مثل حركة "سواعد مصر" (حسم) و"لواء الثورة" و"المقاومة الشعبية"، وغيرها من الميليشيات التي خرجت من رحم التنظيم.

سقط "الإخوان المسلمون" في تونس، وسقوط التنظيم لم يختلف كثيراً عن سقوطه في مصر، والسقوط لم يكن سياسياً ولكنه كان أخلاقياً وقيمياً، وهو ما يدفعنا إلى القول، إن السقوط أشبه بأفول الفكرة وانهيارها، وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه بأن ما حدث في مصر والسودان وتونس، حتماً سوف يتكرر في بقية دول المغرب العربي وبقية العواصم التي وُجد فيها التنظيم، مهما كان قوياً، فالعبرة ليست بالقوة السياسية ولكن بقوة الفكرة التي انهارت تحت سقف الشعوب التي ما عادت تتسامح مع من يكذب عليها.

الشعوب بطبيعتها تميل إلى السلم والمسالمة وترفض العنف، ترفض ممارسته أو أن يمارس عليها، وأغلب هذه التنظيمات مارست العنف بصوره ودرجاته إلى أن لفظتها هذه الشعوب، مثال، "الجماعة الإسلامية" و"تنظيم الجهاد الإسلامي" في مصر اللذين استخدما العنف المباشر، بينما كان "الإخوان" أذكى من أن يقعوا في براثن الصدام المباشر مع الشعوب، فكلما اقتربوا من السلطة اقترب منهم الشعب وأمعن النظر فيهم، "الإخوان" لم يكونوا مختلفين عن بقية التنظيمات المتطرفة، فقد يكونون أخطرهم، وهو ما أدركته الشعوب فلفظتهم.

"الإخوان المسلمون" تعدوا مرحلة ممارسة التهديد بالعنف إلى ممارسة العنف، وقد تجاوزوا مرحلة ممارسة العنف إلى صناعة العنف والفتنة والفوضى، فما تعاملت الشعوب إلا بما كانت تستحقه هذه التنظيمات، ودائماً ما تكون حركة الشعوب بطيئة ومنزهة عن أي هوى، وهي تعطي فرصاً كثيرة، حتى إذا خرجت كانت كالطوفان الذي لا يوقفه أحد أياً كان، فغضبه يأكل الأخضر واليابس، وهذه التنظيمات لا تملك إلا كل يابس، فهذا سبب الطوفان وانتفاضات الشعوب.

الحكم على الحوادث في تونس ليس استباقاً للحوادث، وإن كانت كذلك، ولكنها قراءة دقيقة للمشهد السياسي، فكل الترجيحات تشهد على اختفاء تنظيم "الإخوان المسلمين" في تونس، ليس هذا فحسب، ولكن محاكمة قادته، وهنا نعيد ونكرر الاختفاء والمحاكمة ليسا لأداء سياسي لـ"حركة النهضة"، فالفشل السياسي هو انعكاس لما هو أخطر وهو سقوط الفكرة المؤسسة للإخوان وانهيارها، وهذا ما نؤمن به من منطلق فهمنا للإخوان، ليس في تونس فقط، ومن منطلق تقييمنا للتجارب السابقة للإخوان في العواصم العربية الأخرى التي تؤكد لنا أن عقل الإخوان واحد، فما يصدر عن هذا العقل يمكن قراءته بسهوله شديدة نظراً الى المدخلات المتشابهة لهذا العقل، وبالتالي سوف تكون المخرجات متشابهة أيضاً، وهو ما يدفع لتكرار ما سبق قوله: سوف يكرر إخوان تونس تجربة إخوان مصر نفسها، وبالتالي سوف تصل بهم الحال في تونس إلى ما وصل إليه التنظيم في مصر.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.