.
.
.
.

برنارد لويس.. مشكلة الوسطاء

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

سنة ١٩٦٩، زار المؤرخ البريطانى «برنارد لويس» القاهرة، لم يكن قد أصبح أمريكيًا بعد، هو لم يعتبرها زيارة بل عودة بعد «فترة من الغياب». لويس عاش سنوات عدة من حياته فى القاهرة أثناء دراساته العليا، وتردد على مكتباتها ومنتدياتها الفكرية الكبرى، مثل دار الكتب والمجمع العلمى المصرى والجمعية الجغرافية التى ألقى محاضرة بها قبل نشوب الحرب العالمية الثانية.. ومن القاهرة انطلق نحو القدس ودمشق وبغداد باحثا ومؤرخا- بالتعبير الدارج مستشرقا- وفى أثناء الحرب العالمية الثانية جند ضابطًا وعمل بالسفارة البريطانية فى القاهرة كضابط فى المخابرات الحربية، وقد أتاح له ذلك قدرا كبيرا من معرفة مصر جيدًا والتعمق فى أوضاعها السياسية وبناء صداقات عديدة بها، وظل طوال حياته- توفى فى مايو سنة ٢٠١٨- لديه أصدقاء مصريون، يستمع إليهم بإنصات واهتمام، ويعرف منهم الكثير، وطوال حياته أيضا يتكتم تماما أسماء هؤلاء الأصدقاء.. ويمكن القول إنه لم تكن لديه مشاعر سلبية تجاه مصر والمصريين.. عبّر كثيرا عن تقديره لمصر وإعجابه بالمصريين.

وهكذا، كانت عودته لمصر سنة ٦٩ لمعرفة ما يجرى فى مصر على أرض الواقع ومن المصريين أنفسهم، وكان فى وقت سابق أبدى تشككه فى الكثير مما ينشر فى الصحف البريطانية حول مصر والعرب تحديدا، خصَّ بالذكر صحيفتى «الأوبزرفر» و«الجارديان».

كان مشغولا فى زيارة ٦٩ بمستقبل مصر سياسيًا، وتحديدًا مستقبل التعامل بين مصر وإسرائيل وإمكانية قيام سلام بينهما.. لكن لا يمكن لنا تناول تلك الزيارة وأفكار لويس دون الرجوع إلى مقال مطول نشره فى فبراير ٦٨ عن الحرب الأخيرة بين العرب وإسرائيل، أى حرب يونيو ٦٧، وضع له عنوان «أصدقاء وأعداء»، بدأه مستعينا بنص لـ«ابن حزم» الفقيه والفيلسوف الأندلسى من كتابه «الأخلاق والسير» عن طرق التعامل والتمييز بين العدو والصديق.. النص الذى اختاره لافت، لكنه يشير أو يكشف عما يقصده لويس فى سياق الصراع العربى - الإسرائيلى. يقول ابن حزم: «ليس الحلم تقريب العدو، ولكنه مسالمتهم مع التحفظ منهم».. هذا القول لابن حزم والذى يتبناه برنارد لويس هو ما يطلق عليه حاليًا «السلام البارد» فى العلاقات بين الدول وبين بعض الخصوم عقب الوصول إلى اتفاق سلام.

اعترف لويس فى مقاله السابق بأنه كان هناك فى لندن وغيرها، بين السياسيين والصحفيين والكتاب، مَن وقف ضد العرب وضد عبدالناصر بهدف «الثأر» لمعركة السويس - العدوان الثلاثى- والانتقام من عبدالناصر لإقدامه على التأميمات؛ يمكننا القول إن الرئيس الأمريكى «جونسون» سنة ٦٧ كان واحدا من هؤلاء الغلاة فى الثأر والانتقام. فى فرنسا كذلك، كان هناك كتاب ومثقفون وسياسيون «مازالوا ظمأى للثأر من العرب بسبب حرب (استقلال الجزائر)، على رأسهم بالطبع دعاة (الجزائر الفرنسية)».

كان الرأى العام العالمى فى أزمة مايو ٦٧ متعاطفا مع إسرائيل، تم تصوير حشود ناصر العسكرية على أنها تتجه لتدمير إسرائيل وإبادة الإسرائيليين، خاصة أن إسرائيل نفت بشدة أن تكون حشدت قواتها على حدود سوريا (نفى ذلك القادة السوريون للفريق فوزى حين زار سوريا)، لكن بعد النصر الإسرائيلى تغير الموقف، إذ تبين للجميع قوتها العسكرية الساحقة وضعف العرب؛ فازدادت الثقة بها ثم بدت مشكلة اللاجئين.. ومن هنا ظهر التعاطف مع العرب وأصيب بعض اليساريين فى أوروبا بالارتباك من هذا الموقف، هم قلقون على وجود إسرائيل وقلقون من الظلم الذى يتعرض له العرب عامة.. يذكر بالاسم الفيلسوف والأديب الفرنسى «جان بول سارتر» وأيضا «سويتيل»، ويقر بأن هناك فى الغرب محبين للعرب، وهناك كذلك من يكرهون إسرائيل وإن لم يعبروا بصراحة عن تلك الكراهية حتى لا يتم اتهامهم بتبنى أفكار هتلر وإيخمان بحق اليهود والعداء للسامية؛ والعكس صحيح أيضًا، أى أن هناك من يكره العرب لأسباب عنصرية.. هو ليس متعاطفًا مع أى من الفريقين، معظم المواقف برأيه مشوبة بالمصالح والأهواء والمشاعر والأفكار، ويرى ضرورة بذل جهد بحثى وعلمى يتجاوز الأفكار الرنانة والكلمات الضخمة «كى نرى الشرق الأوسط كما هو، وليس باعتباره ساحة قتال فى حرب أيديولوجية أو عرقية أو حرب قوة كبرى».

عند برنارد لويس لو تم تجريد الصراع العربى - الإسرائيلى من مؤثرات الحرب الباردة (السوفيت- الأمريكان)، ومن رغبات الثأر والانتقام وأفكار اليمين واليسار، لتغير الأمر كثيرا. يقول: «آنذاك، ربما يجد أصحاب النيات الحسنة أن بالإمكان أن تكون مواليًا لإسرائيل دون أن تكون معاديًا للعرب، وأن تكون مواليًا للعرب دون تأييد المهرجين والطغاة الذين أهانوا ولطخوا بالعار شعبًا عظيمًا موهوبًا».

المشكلة لديه فى الوسطاء على الجانبين، العربى والإسرائيلى، ويخص بالذكر والإدانة الاتحاد السوفيتى الذى يساند سوريا ومصر، بالنسبة له كان الموقف السوفيتى انتهازيا، ساند السوفيت بقوة قيام دولة إسرائيل جنبًا إلى جنب مع إدارة الرئيس الأمريكى هارى ترومان، اعترفت موسكو بالدولة العبرية بعد دقائق من إعلان قيامها، وفى أثناء حرب ٤٨ منعت الأمم المتحدة تصدير الأسلحة إلى الأطراف المتحاربة، وكانت إسرائيل بحاجة إلى السلاح، فأعطى السوفيت أمرا إلى «تشيكوسلوفاكيا» بأن تمد إسرائيل فى صمت بكل ما تحتاجه من السلاح، مما قلب موازين الحرب تماما لصالح إسرائيل، بعد ذلك غير الاتحاد السوفيتى موقفه وساند العرب للاستفادة بهم فى الحرب الباردة؛ على الجانب الآخر، لا يذكر الدول التى تساند إسرائيل بالمطلق، تحديدًا إدارة الرئيس جونسون آنذاك، بل يشير فقط إلى بعض التيارات، وإن شئنا الدقة مجموعات سياسية وفكرية. عقب انتهاء حرب يونيو، رأى هو إمكانية قيام سلام بين إسرائيل والعرب والوصول إلى تفاهم وتعايش مشترك، لكن يعرقل الوسطاء أو المناصرون لكل طرف تحقق تلك الإمكانية. يقول حرفيًا: «بعد أسبوع من انتهاء القتال والأعمال العدائية، كان من الواضح لأى قارئ أو مشاهد أنه بينما قد يجلس العرب واليهود معًا فى ظروف معينة للتوصل إلى سلام، فإن طريق الموالين للعرب والموالين لليهود لا يؤدى سوى إلى الحرب حتى الموت».

ويضيف مؤكدا وشارحًا المعنى السابق: «أصبحت مثل تلك الهبات المفرطة فى التأييد هى نفسها عنصر سياسى يجعل السلام أكثر بعدًا. كلا الطرفين، إن كان يمكن أن يرضخ لأى تأثر، يصبح أكثر عنادًا وتصلبًا.. أحدهما يعتقد أن المساعدة وشيكة، والآخر فى شك من أن مشاورات الاعتدال وراءها حقد وضغينة». الواقع أنه يلمح إلى أن دور الوسطاء أو المناصرين لطرفى الصراع قد يتجاوز دورهم ذلك، فربما يكون فيهم المتواطئ والمتآمر.. وقد يكون الغباء وقتها أن ظهرت نغمة فى بعض الأوساط الغربية وفى الشارع العربى بقوة بأن الاتحاد السوفيتى قد يكون «تواطأ» وتعمد «توريط» مصر وعبدالناصر والمشير عبدالحكيم عامر وجناحه.. كانوا عند هذا الرأى وإلى اليوم هناك من يعتقد ذلك بين المؤرخين والدارسين لحرب ٦٧.

فكرة الوسطاء والمؤيدين لكل طرف تستدعى أن نعود بها إلى الوراء قبل حرب يونيو بعشرين عاما، حين صدر قرار التقسيم قبل القرار، كان العرب واليهود يعيشون جنبا إلى جنب، كانت هناك بعض المشكلات والأزمات العادية التى تُحل وتمضى الأيام، كان يمكن أن تقوم دولة تضمهما معا، لكن بريطانيا العظمى قررت الانسحاب من فلسطين تاركة البلد بلا حكومة فعلية، تركتها بقرار التقسيم وجرى ما جرى، هذه الحروب والدماء التى سالت إلى يومنا هذا تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية بريطانيا العظمى.. قارن تصرف بريطانيا فى الهند وتصرفها فى فلسطين.. لم تخرج من الهند إلا بعد تنصيب حكومة الهند وحكومة باكستان، بينما تركت الفلسطينيين واليهود للفوضى والعنف.. كان العرب واليهود وقودًا لمحرقة نصبتها بريطانيا العظمى ثم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، لكن هكذا تصاريف التاريخ.

برنارد لويس من عائلة يهودية، لكنه بريطانى، رأيه هذا قد لا يكون بعيدًا عن بعض تصورات الحكومة البريطانية، التى راحت تحسّن علاقاتها بمصر بعد حرب يونيو، كان لديهم خوف من أن تنفتح شهية إسرائيل لمزيد من التوسع والعدوان على العرب، فى المقابل لن يرضى العرب الإهانة وسيقاومون، ومِن ثَم مزيد من عدم الاستقرار فى المنطقة، وكان ذلك تقريبًا رأى الرئيس الفرنسى شارل ديجول.

تلك هى الخلفية السياسية والفكرية التى عاد بها «برنارد لويس» إلى القاهرة سنة ٦٩.

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.