.
.
.
.

خواطر صيني عن أولمبياد طوكيو

شوي تشينغ قوه بسام

نشر في: آخر تحديث:

في عام 1910، أي بعد 14 سنة من انطلاق الألعاب الأولمبية الحديثة في أثينا عام 1896، نشرت صحيفة شانغهاي افتتاحية طرح فيها الكاتب ثلاثة تساؤلات حول علاقة الصين بالأولمبياد، وصارت معروفة لاحقاً لدى الشعب الصيني بالأحلام الأولمبية الثلاثة: الأول: متى ترسل الصين فريقاً للمشاركة في الألعاب الأولمبية؟ الثاني: متى تفوز الصين بميدالية أولمبية؟ الثالث: متى تقام الألعاب الأولمبية على أرض الصين؟ ولم تثر هذه التساؤلات اهتماماً يذكر لأنها طُرحت في فترة كانت الصين غارقة في مستنقع التخلف والذل والفقر، بعد تعرضها لغزوات أجنبية متتالية، منها حرب الأفيون الأولى عام 1840، وحرب الأفيون الثانية عام 1856، والغزو الفرنسي عام 1883، والغزو الياباني عام 1894، وغزو قوات الدول الثماني المتحالفة عام 1900... فلا غرابة أن يكون الأولمبياد وغيره من الأمور الدخيلة والمترفة بعيداً كل البعد عن حياة شعب بائس يعاني من العجز والهوان بما فيه الكفاية.
أصبح التساؤل الأول واقعاً، أو شبه واقع، عندما أرسلت الصين أول فريق للمشاركة في الألعاب الأولمبية عام 1932، أقول «شبه واقع» لأن الفريق كان يتكون من لاعب واحد فقط هو السيد ليو تشانغ تشون، عداء المسافات القصيرة الذي عاد إلى الوطن خالي الوِفاض، حزين البال.
أما الحلم الثاني، فلم يتحقق إلا بعد أكثر من سبعة عقود طويلة، وبالتحديد في أولمبياد لوس أنجليس عام 1984، عندما فاز لاعب الرماية شيو هاي فونغ، بأول ميدالية ذهبية للصين، فدخل إلى التاريخ كبطل وطني لأكبر بلاد في العالم سكاناً. أما الحلم الثالث، وهو إقامة الألعاب الأولمبية على أرض الصين، فنعرف جميعاً أولمبياد بكين عام 2008، الذي بهر العالم بحفل الافتتاح الرائع للغاية، والذي تصدرت فيه الصين قائمة ميداليات الألعاب لأول مرة في التاريخ.
يحق للمواطن الصيني أن يشعر بفخر واعتزاز عندما يستذكر هذا التاريخ، لأن الأحلام الأولمبية الثلاثة تحققت كلها خلال قرن كامل تقريباً، بل تحقق معها حلم آخر لم يجرؤ أحد على النطق به أو حتى الحلم به قبل مائة سنة، وهو أن تكون الصين في مقدمة الدول الحائزة الميداليات الأولمبية. تحقق هذا الحلم الإضافي بعد أن حافظت الصين على المراتب الثلاث الأولى في ترتيب الميداليات الذهبية منذ أولمبياد عام 2000: المرتبة الثالثة في سيدني وريو جانيرو، والمرتبة الثانية في أثينا ولندن وطوكيو، والمرتبة الأولى في بكين.
في غضون الأسبوعين الماضيين، كنت مثل كثير من الناس أتابع تغير ترتيب الدول في قائمة الميداليات لأولمبياد طوكيو، حيث انتزعت الولايات المتحدة صدارة الترتيب من الصين في اليوم الأخير للألعاب، بنيلها 39 ميدالية ذهبية مجتمعة مقابل 38 ميدالية ذهبية للصين. وأثار هذا الترتيب في نفسي بعض الخواطر أسجلها كما يلي لأشارك الأصدقاء القراء فيها:
أولاً: يعبر هذا الترتيب عن الصورة الحقيقية للقوة الرياضية لكل من أميركا والصين. فلا تزال أميركا القوة الرياضية الأولى في العالم قبل الصين التي تسرع الخطى للحاق بها وتجاوزها. والجدير بالذكر أن الفارق بينهما ما زال كبيراً نسبياً، أكبر من ميدالية ذهبية واحدة كما تتبين في قائمة الميداليات، ذلك لأن أميركا قوية في معظم ألعاب الكرات الجماعية باستثناء كرة القدم للرجال، وهي كلها ألعاب تحظى باهتمام الجمهور في كل أنحاء العالم. أما الصين فهي ضعيفة في هذه الألعاب الجماعية باستثناء فريق الكرة الطائرة للنساء. كما أن أميركا متقدمة على الصين في معظم ألعاب القوى والسباحة، خصوصاً في سباق التتابع الذي يعد مؤشراً مهماً للقدرة الجماعية للاعبين. وبالإضافة إلى ذلك، تتفوق أميركا على الصين في مستوى مشاركة الجماهير في الرياضة، وفي البنى التحتية الرياضية. ومعنى ذلك أن أميركا ستبقى القوة الرياضية الأولى لفترات طويلة نسبياً، حتى إذا تخلفت عن الصين في قائمة ترتيب الميداليات في دورات الألعاب الأولمبية المقبلة.
ثانياً، تعطي قائمة ترتيب ميداليات طوكيو صورة موضوعية عن القوة الاقتصادية أو القوة الشاملة للدول المعنية، خصوصاً الدول التي تأتي في مقدمة القائمة. فالدول الاثنتا عشرة الأوائل في هذه القائمة تشمل جميع دول مجموعة السبع: أميركا واليابان وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا، وثلاث دول من مجموعة «بريكس»: الصين وروسيا والبرازيل، إضافة إلى دولتين صناعيتين متقدمتين: أستراليا وهولندا. والغائب اللافت للانتباه في هذا الترتيب هو الهند، التي فازت بميدالية ذهبية واحدة فقط، وهو أمر لا يتماشى مع قوتها الشاملة، خصوصاً قوتها البشرية الهائلة وإمكاناتها التنموية الكبيرة. وقد أشار بعض المحللين إلى أن هذا الترتيب يحمل دلالة رمزية تعكس التنافس الأميركي الصيني في كافة المجالات، بالإضافة إلى الألعاب الأولمبية. فأميركا لا تزال تتقدم على الصين في الاقتصاد، والعلوم والتكنولوجيا، والقوة العسكرية، والقوة الثقافية والإعلامية الناعمة، ومستوى التعليم الجامعي وغيرها، ولكن خطوات الصين للحاق بها سريعة وحثيثة في العقود الأخيرة، مما أدى إلى تقليص المسافات بينهما بشكل يقلق مضاجع أميركا. وهذا الأمر هو الذي يكشف السبب الجوهري في العلاقات المتدهورة بين البلدين، رغم أن أميركا تفتعل حججاً كثيرة لتبرير موقفها المعادي للصين في السنوات الأخيرة.
ثالثاً، يمكن للبشرية أن تجد إلهامات من الألعاب الأولمبية في معالجتها للعلاقات الدولية. فالتنافس بين الدول، ينبغي أن يكون مثل التنافس بين اللاعبين، مبنياً على أساس مبدأ اللعب العادل (Fair Play). ويتحقق الفوز أو السبق عبر تقوية الذات، لا عن طريق إضعاف الآخر أو إقصائه أو عرقلة تقدمه بكل الوسائل المتاحة، الأمر الذي يضر بالآخر، بل بالكل معاً، لأن أي خطوة من هذا القبيل ستقابَل بخطوة مماثلة من الجانب الآخر، والنتيجة ستكون الخسارة المشتركة بدلاً من الفوز المشترك. وعليه، نحيي المبادرة الأخيرة للجنة الأولمبية الدولية لإضافة كلمة «معاً» (Together) إلى شعار الألعاب الأولمبية المعروفة «أسرع، أعلى، أقوى». فما أحوج الإنسان اليوم إلى روح التعاون وهو يتلظى بموجات متصاعدة من الكراهية والعداء، إضافة إلى موجات متتالية من جائحة «كورونا»، وحرائق الغابات، وفيضانات الأنهار، ونزعات التطرف والإرهاب، وغيرها من الكوارث الطبيعية والبشرية المتنوعة. ويبقى هناك فرق بين تنافس الدول وتنافس اللاعبين، فالتنافس الأول ليس له شريط النهاية، ولا توجد دولة سباقة إلى الأبد. فالدهر يومان كما يقول العرب: يوم لك ويوم عليك، وإنها لسنة الحياة والتاريخ.
رابعاً، أقيم أولمبياد طوكيو في ظروف استثنائية بالغة الصعوبة، ولكنه تكلل بالنجاح رغم كل الصعاب والتحديات. وعادت الرياضة إلى صدارة المشهد في وقت يسوده التشاؤم الناتج عن انتشار الجائحة، واتحد العالم كله لمشاهدة النخب الرياضية من بني البشر تتسابق بروح نبيلة من أجل شرف البلاد ورفعة الرياضة. فكم من الشباب والأطفال الذين تابعوا المباريات استمدوا من صمود اللاعبين وجرأتهم القوة والإلهام لمواجهة مصاعب حياتهم! بذلك كان أولمبياد طوكيو بمثابة معلم جديد في رحلة الإنسان الطويلة للتغلب على العقبات والكوارث والموت لاحتضان الأمل والمستقبل والحياة. فشكراً لليابان على جهودها الجبارة لاستضافة هذه الدورة الاستثنائية، وتمنياتنا أن يتكلل أولمبياد بكين الشتوي الذي سيقام بعد نصف سنة بالنجاح المماثل، وأن يكون أولمبياد باريس عام 2024 مهرجاناً بشرياً كبيراً، احتفالاً بانتصار الإنسان على الجائحة، واحتفاءً بنبل الإنسانية وجمالها.
* باحث وبروفسور في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.