.
.
.
.

رفع الدعم لا حصانات النيترانيوم

علي شندب

نشر في: آخر تحديث:

وأخيراً دقّت ساعة الحقيقة. فجهنّم اقتحمت حياة اللبنانيين، ولم تنتظر وصولهم إلى قعرها. فلا سياسات منظومة النيترانيوم والحصانات، تكفّلت باستدعاء جهنّم إلى بيوت اللبنانيين وقد تسيّدتها العتمة الشاملة والظلام الموحش. إنها الضريبة المرّة والقاسية وغير المسبوقة التي يتجرع الناس سمّها بالتدرج. فالموت الرحيم تعب من سيره البطيء المتدرّج قبل أن يزيد سرعاته بدون أي مكابح أو كوابح أمان افتراضية أم واقعية.

منظومة النيترانيوم والفساد رفعت مستوى الاستقطاب الطائفي والمذهبي حول التحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت، وعمّقت الخلافات حول رفع الحصانات وأصلها وجنسها واستهدافاتها اتساقاً مع رغبة زعيم حزب الله الذي بدا قصفه المركّز على المحقّق العدلي طارق بيطار وتحقيقاته، مستنسخاً من كتاب الصليات الاتهامية التي دكّ بها المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري.

فما أراده نصرالله بوضوح هو تحريض أهالي ضحايا تفجير المرفأ ضد المحقّق العدلي واستخدامهم بهدف إجباره على التنحّي بتهمة التسييس المتناسلة من عبوة الارتياب المشروع التي أطاحت بالمحقّق السابق فادي صوّان. لكن أهالي ضحايا تفجير المرفأ خيّبوا آمال نصرالله وسعيه. كما جدّدوا ثقتهم بالمحقق العدلي وأعلنوا وقوفهم الى جانبه. وقد استدعت مواقف نصرالله التحريضية ضد المحقّق العدلي وتحقيقه، ردوداً عدة أبرزها من البطريرك الماروني بشارة الراعي الذي رأى في الاشتباك الحزبلّاهي المحدود مع الإسرائيليين محاولة للتغطية على إحياء الذكرى السنوية الأولى لتفجير المرفأ، ما عرّض بكركي وسيّدها للقصف بصليات العمالة لإسرائيل من أنصار سيّد الضاحية.

ربما لم يستوعب العقل العميق لحزب الله، أن تهمة العمالة لإسرئيل فقدت حواضنها الحقيقية بعد ممارسة حزب الله الاستنسابية لها. فالاغتيال المعنوي وكما ندرك جميعاً، أشدّ فتكاً من الاغتيال الجسدي، لأنه لا يصيب المتهم عينه فقط، وإنّما يصيب عائلته وأصدقاءه وبيئته الاجتماعية. ولهذا فتهمة العمالة لشدة فتكها وضراوتها تبدو أشبه بأنزيم أو جين متحوّر ينتقل عبر السلالة الوراثية.

ويبدو أن مراكز دراسات الحزب المختصة بقياس مناخات الرأي العام وتبدّل وتغيّر أمزجته، لم تتعلّم من درس أهالي شويّا مع راجمة صواريخ الحزب وتداعياته مع بائع التين في صيدا والذين حصدوا تضامن شرائح لبنانية واسعة معهم، أكبر وأوسع من تلك التي تضامنت مع الحزب وصواريخه التي تعمل بصيغة الـ OFF/ON بحسب بوح قائد الحرس الثوري حسين سلامي للشيخ نعيم قاسم حول محرّك حزب الله، والمعادلات التي ترسمها طهران، رغم أن سلامي نفسه سبق وأعلن في سياق ابتلاعه لمعزوفة تدمير اسرائيل خلال 7 دقائق ونصف وسحبها من التداول، أن الظروف غير مهيّئة لذلك. فهل تشغيل إيران لمحركها في لبنان يعني أنّ الظروف باتت مؤاتية لتدمير إسرائيل، أم أنّ صفقة تجديد عقد التخادم بينهما قد أبرمت مجدداً؟

توازياً مع هذا، يدأب نصرالله وعند كل متغير سلبي تجاه مقاومته، على القول إن "المقاومة لم تكن يوماً محل إجماع وطني"، وهنا تخون نصرالله ذاكرته الموصولة بمراكز دراسات حزبه وأرشيف إعلامه، والتي يبدو أنها لم تزوده بجدول إحصاءات مقارنة بين الحال التي كان عليها احتضان المقاومة من طرابلس وعكار الى كل لبنان، وبين الحال الذي بلغته على امتداد لبنان. ولهذا فالنواة الصلبة التي يعوّل عليها حزب الله بعدما أخفق في الحفاظ على البيئة الوطنية العامة، هي بيئته العقدية اللصيقة. وقد بيّنت واقعة شويّا عن كسور مفصلية عميقة أطاحت بمعادلته "الجيش والشعب والمقاومة".

وقد بيّنت وقائع ما بعد 17 تشرين، عن التحام الشعب والجيش رغم بعض تدابيره الموضعية الخشنة، وهذا ما عكسته صرخات وهتافات المتظاهرين "كلن يعني كلن". وعندما حاول نصرالله تمييز نفسه واستثناء حزبه من معادلة نقمة الشعب هذه، طوّر الناس هتافهم ليصبح "كلّن يعني كلّن ونصرالله واحد منّن". وكانت هذه الصرخات بداية المجاهرة الشعبية الواسعة في هزّ هيبة حسن نصرالله الذي تمكّن عبر السنوات الماضية من تطويع وإخضاع كل الطبقة السياسية المعارضة قبل الموالية له ولمشروعه. وقد بدا الحزب أحياناً أشبه بالمقاصّة التي توزّع نسب المحاصصة وغنائمها بين أطراف مروحة المنظومة، فيما يتمظهر الحزب بمظهر المتعفّف عن المال العام، والمكتفي بالمال "النظيف الحلال" الذي تصرفه عليه إيران، أو الذي يستجمعه عبر معابر التهريب الشرعية وغير الشرعية.

أمّا العقبة الكأداء التي وجد نصرالله نفسه عاجزاً حيالها، فكانت فشله في تطويع الناس وإخضاعهم، رغم بعض النجاحات في اختراق صفوفهم وتشتيت شملهم بعد فرزهم وتصنفيهم، فضلاً عن إرهابهم وإرعابهم وتهديدهم ليس برفع الإصبع فقط، وإنّما بمعاجلتهم بسرايا الدراجات النارّية من الضاحية والخندق الغميق، وبات لكل مدينة أو منطقة خندقها الغميق الخاص بها، والمتخصّص بترويعها، كما تكرّر حصوله في ساحة النور بطرابلس والنبطية وبعلبك وغيرهم.

أزمة حزب الله، أنه لم يستطع تلقف الاحتضان الوطني أثناء معارك التحرير، والأرجح أنه أساء فهمه معتقداً أن هذا الاحتضان لعمليات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي يسحب نفسه تأييداً لمشروعه في "أيرنة لبنان"، كما أنّه أيضاً لم يهتم بصوغ مشروع تنموي اقتصادي للدولة اللبنانية التي باتت ضمن دويلته، يسيطر عليها ويديرها من رأسها حتى أخمص قدميها. وها هي هذه الدولة التي يتسوّل جيشها وجبة طعامه تنفجر بين يديه وتدخل بقيادة وكيله في قصر بعبدا الى ما بعد جهنم.

في مقال سابق تحدثنا عن "نزع دبس حزب الله عن طحينة الدولة". كان هذا الأمر مستحيل التصوّر، لكنه اليوم شديد الوضوح. فالانهيار المالي والاقتصادي على يد منظومة الفساد والنيترانيوم فعل فعله في هذا السياق. ولبنان القائم على اقتصاد ريعي بلغ الانهيار فيه أبعاداً استثنائية، ولن يقوى على النهوض مرة أخرى، لاسيّما أن الدول العربية والأجنبية وخصوصاً الخليجية منها تربط تقديم مساعدات إنقاذية للبنان بإصلاحات سياسية واقتصادية عميقة. ويبدو أن مثل هذه الإصلاحات مستحيل في ظل وجود منظومة الكابتغون والنيترانيوم والفساد إياها. فهل يمكن للفاسد أن يكافح فساد فاسد؟

رفع الدعم عن المحروقات كما أعلنه مصرف لبنان بالأمس كشف عن رأس هرم جهنم، وتحوّل إلى سيول من نار اكتظت بها شوارع الساحات في المناطق والمدن اللبنانية التي شهدت حداً غير مسبوقاً في عمليات السطو على صهاريج المحروقات وإفراغها في بعض الأحياء لزوم مولدات الكهرباء الرديفة للدولة، كما وانتشرت عمليات السرقة والتشليح لفقراء يسلبون فقراء. وللدلالة الرمزية على إنهيار هيبة الدولة الأمنية، تفيد الإشارة الى كمين نصبه مسلحين لدورية أمنية في عكار أدى إلى تحرير زميلهم السجين من الدورية وغنيمة بعض عتادها العسكري.

مخيف، مشهد الدولة المتحلّلة، فإطلاق الرصاص ورمي القنابل والتنقل بالسلاح أمر شبه يومي ومرجح أن يصبح اعتيادياً ومن لزوم حياة الكرامة والعزّة التي أهداها نصر الله للبنانيين، في لحظة تتغوّل فيها عليهم منظومة حصانات النيترانيوم والفساد حتى لا يهدم ما تبقى من الهيكل فوق رأسها.

اللبنانيون يتندرون اليوم على واقعهم بالقوال.. طالبناهم برفع الحصانات، فقاموا برفع الدعم!.
حمى الله لبنان والعرب من شرّ ما خلق.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.