.
.
.
.

سيتاكانتا وحكايا تحول النظام العالمي

فهد بن سليمان الشقيران

نشر في: آخر تحديث:

لم تزل الجائحة تلقي بظلالها النظري، وهذا أمر طبيعي أن تُطرح أسئلة كبرى ومقلقة مع المنعطفات وتذوق الويلات، نظريات كثيرة تتعلق بالوضع الاجتماعي، والأخلاقيات الطبية، والمآزق السياسية، ونقاش مستوى مسؤولية الدولة.
واليوم كبرت كرة الثلج، وصل النقاش لموضوع التحول في النظام العالمي، ومستوى تفوق الغرب، علماً بأن هذا الطرح بعمومه ليس جديداً، وبخاصة في مستويين اثنين؛ الأول: إعلان موت الغرب (أطروحة اشبنغلر: تدهور الحضارة الغربية عام 1918)، والثاني: أفول النظام العالمي الجديد، وتراوح نقاش هذا المستوى بين إعلان تفكك الهيمنة الغربية ومعها نظمها الليبرالية ولهذا مقاربة لدى إريك هوبزباوم في تحليله للإيجابية في التعديل الاشتراكي، وذلك في كتابه «كيفية تغيير العالم - حكايات عن ماركس والماركسية»، حيث الإشارة إلى ابتداع أشكال مختلفة من الاقتصاد المختلط، ويستشهد بمفكرين غير اشتراكيين مثل فابيانس سيدني وبياتريس وب، وينقل عنهما تصورهما للتحول التدريجي للرأسمالية إلى الاشتراكية عبر مجموعة من الإصلاحات الثابتة والتراكمية.
ثمة شبكة من النقاشات بعضها آخذٌ برقاب بعض، والحديث عن نهاية الغرب، أو تصدع النظام العالمي، أو صعود قوى الاقتصاد بنظرياته المختلطة بين الليبرالية وتعديلات النظريات الاشتراكية، لا يزال مغرياً، والهدف من ذلك نقض أطروحة «اكتمال النظرية البشرية» بنموذج الليبرالية التي «أنهت التاريخ» وهي نهاية لا تعني استنفاد ذروة والبدء بأخرى على طريقة ذروات التاريخ عند هيغل ومن بعده الهيغلي العتيد فاتيمو وصولاً إلى فرنسيس فوكوياما.
واليوم تطرح نظرية مشوقة ذاع صيتها وأعيد تدويرها وتلخيصها لسيتاكانتا ميشرا المتخصص في العلاقات الدولية، وعضو هيئة التدريس في مدرسة الدراسات الحرة (SLS) بجامعة بانديت ديندايال للبترول، وقد عنونها بـ«النظام العالمي بعد الجائحة - تسعة مؤشرات» وترجمتها ريهام صالح خفاجي، وصدّرها مصطفى الفقي مدير «مكتبة الإسكندرية» التي قامت بنشرها. طرح ميشرا في صفحات الدراسة الخمسين مجموعة من الأسئلة والمقاربات والتحليلات، ويمكن الوقوف عند أبرز ما طرحه في الدراسة.
نبدأ من حيث انتهى في «استنتاج الدراسة»، يقول «سيكون من باب التكهنات، إلى حد كبير، محاولة رسم الشكل النهائي للنظام العالمي الجديد وشيك التشكل، وعن كيف سيكون حلوله قريباً، وكيف سيتميز عن النظام العالمي الحالي. إلا أنه يبدو أن جائحة (كوفيد – 19) تطوي، وتحفز في الوقت نفسه، ديناميات وأحداثاً لها تأثير في التوازن الإقليمي والعالمي في النظام الدولي. فالحروب والجوائح والأحداث الواسعة النطاق تسرع وتيرة إعادة توزيع القوى العالمية أو التسلسل الهرمي أو التغيير المنهجي. ولا شك أن الجائحة أبرزت الثغرات القائمة في نظام الحوكمة العالمي الحالي، وأوجه الضعف في المؤسسات المتجاوزة حدود الولاية الوطنية، ومواطن الضعف فيما يسمى (العالم المتقدم)».
ثم يستدرك «لكن رغم ذلك، لا توجد إجابة قاطعة لما سيكون عليه النظام العالمي ما بعد الجائحة، ومن سيتولى زمام القيادة، وما معادلة القوة العالمية في المستقبل، ومن سيكون في المستويات العليا للتسلسل الهرمي ومن سيكون في المستويات الدنيا منه. إلا أنه من المؤكد سيكون هناك نظام عالمي لما بعد جائحة (كوفيد – 19)، ويجب أن يشمل إعادة تخيل وإعادة تخصيص موارد لنماذج الرعاية الصحية، وشبكات الأمان الاجتماعي للفئات الأشد ضعفاً في المجتمعات، وآليات القيادة وقت الأزمات، وذلك لأن ما سوف يتبعه مرحلة ركود اقتصادي عميق، من الأرجح أنه سيقتلع جذور القاعدة الرأسمالية التي يقوم عليها العالم اليوم». ولكن ميشرا لم يضع الصين بإزاء الغرب على طريقة الثنائية التقليدية، رغم فرح أعداء الغرب بعنوان الدراسة بوصفها تلبي ما يبحثون عنه انطلاقاً من عداء آيديولوجي تجاه الحضارة الغربية أو الليبرالية، أو النظام العالمي، أو الولايات المتحدة بشكلٍ أوضح؛ لذلك في المؤشر الذي خصصه عن احتمالات ولادة نظام عالمي جديد يقول «لن يختلف كثيرون حول عكوف الصين على صياغة نظام عالمي جديد، من خلال تأسيس هياكل حوكمة عالمية وأنظمة تحالفات بديلة. إلا أن ذلك لا يشير بالضرورة إلى الانحسار المفاجئ لنظام عالمي تقوده الولايات المتحدة، بل يبدو أن ما تعد الصين لطرحه هو نظام حوكمة عالمي مواٍز (لا يسمح للولايات المتحدة باحتكار صياغة قواعد النظام الدولي) فالنظام العالمي الأميركي الحالي يرسي قواعده على نظام (بريتون وودز) والأمم المتحدة وتحالفات ِصيغت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي من خلالها ما زال يفرض هيمنته على إعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية. ولا شك أن الصين هي أحد المستفيدين من (الضمانة العسكرية الأميركية أحادية الجانب) ووسعت القاعدة لنظام عالمي ليبرالي. لكن في العقود المقبلة».
الدكتور ميشرا رغم وضعه مؤشرين هما «تفوق الشرق ثقافياً على الغرب» و«صعود الهند كقوة عظمى»، غير أنه يضع تحليلاً مهماً حين يكتب أن «الرأي القائل بأن (الحزب الشيوعي الصيني ألحق الضرر بالمستقبل المرتقب للصين بأن تصبح قوة عظمى عالمية، أكثر مما ألحقه بها منتقدوها المتعصبون) هو رأي قاصر، وفكرة أن (قدرة الصين على منافسة الولايات المتحدة على قيادة عالمية، أمر منتٍه) هي فكرة مثيرة للضحك، ووفقاً لما ورد بأحد تقارير صحيفة (نيويورك تايمز)، (فبتحول مفاجئ، تسعى الولايات المتحدة والصين إلى التعاون، في حين تستشري جائحة فيروس كورونا المستجد)، والإدارة الأميركية ترحب بحمولات طائرات المساعدات الطبية القادمة من الصين».
رغم كل الاحتمالات والأسئلة والتحليلات حول النظام العالمي ومركزية الغرب، فإن الظروف التي منحت النظام العالمي شرعيته ومنحت الليبرالية بريقها لا تزال قائمة. لا يمكن الحديث عن نهاية للنظام العالمي مع انعدام وجود أي مؤشرات على نهاية فاعليته، ولكن من المثير للباحثين والمحللين تداول مثل هذه الاحتمالات، لكن الجائحة وحدها لا يمكنها تغيير النظام العالمي، ولا يمكنها دحر الليبرالية أو تصديع مركزية الغرب.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.