.
.
.
.

قفزة تقدمية وإنجاز سعودي مشهود

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

هل يبدو العالم على مقربة من حقبة تطرفٍ وغلو، إرهاب وراديكالية مرة جديدة؟
يمكن القطع بأن ذلك كذلك، وهو الأمر الذي رصدته أعين الباحثين في المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال)، الذي تأسس في المملكة العربية السعودية العام 2019، كجزء مهم من سياسات المملكة الساعية لوقف نمو العنف، ومجابهة الفئة الباغية، وأفكارها الهدامة، وقد لاحظ المركز مؤخراً نشاطاً متزايداً للتنظيمات المتطرفة على المواقع والمنصات الإلكترونية، شمل إطلاق منصات جديدة، ودمج عدد من المواقع تحت إشراف موحد؛ ما يتطلب وعياً جماعياً بمخاطر هذا النشاط وأهدافه واستراتيجياته في التسلل والانتشار.
في هذا الإطار، ربما يتحتم علينا القول إن قليلين هم أولئك الذين يعرفون الدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية في تأسيس مركز الأمم المتحدة في نيويورك قبل عشرة أعوام، عبر المساهمة السخية التي بلغت 110 ملايين دولار، والتي بناءً عليها انطلقت جهود أممية، ورسمت خطوط تعاون دولي بين 193 دولة حول العالم.
لم يكن للمملكة أن تقود سعياً دولياً في طريق مكافحة التطرف ومحاربة الإرهاب، من غير قيادة سياسية، تمثلت في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ورؤية عقلانية بلور خطوطها ونسج خيوطها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي قدم وعوداً في 2017 قال فيها «سنقضي على التطرف فوراً، وبدأنا فعلياً حملة جادة لمعالجة الأسباب والتصدي للظواهر، وخلال سنة واحدة استطعنا أن نقضي على مشروع آيديولوجي صُنع على مدى 40 سنة».
طويلاً وكثيراً ما ردد ولي العهد الأمير محمد، كلماته المحبوبة داخلياً، والمقدرة خير تقدير عالمياً... «اليوم لم يعد التطرف مقبولاً في المملكة، ولم يعد يظهر على السطح، بل أصبح منبوذاً ومتخفياً ومنزوياً».
الأيام القليلة الفائتة كان مدير مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، الدكتور جهانجير خان، يقوم بزيارة للمملكة، ويعقد اتفاقية شراكة مع «اعتدال»، مشيداً بجهود المركز في مجال مكافحة التطرف العنيف، واصفاً إياها بأنها الرائدة على مستوى العالم.
بات التطرف قولاً وفعلاً، طاعون القرن الحادي والعشرين، وأضحى الإرهاب الناجم عن اختلال عقلي وفكري، آفة العصر وتحدياً عالمياً، لا سيما أنه لم يعد له دين أو عرق، كما أن انتشاره تجاوز السدود والحدود؛ ما يعني أن المجابهة المنفردة لن تجدي نفعاً، وليس جديداً القول إن المنطقة العربية والعالم الإسلامي، قد دفعا ثمناً غالياً في درب مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف.
نجاحات اعتدال، وكما بيّن ذلك الأمين العام للمركز الدكتور منصور الشمري، تعود لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده، اللذين لا يدخران جهداً في دعم كل جهد دولي لمكافحة الفكر المتطرف والإرهاب عموماً؛ إيماناً منهما بأن التطرف والإرهاب هما العدو الرئيسي لتنمية واستقرار أي مجتمع في العالم، فنجاح الخطط التنموية، رهناً بقدرة الدول على حماية مقدراتها ومواطنيها من مخاطر هذا الفكر.
عمل «اعتدال» طوال السنوات الأربع المنصرمة على كشف أساليب التنظيمات المتطرفة في استهداف الشباب وتوعيتهم من مخاطر هذا الفكر، عطفاً على تفنيد الشبهات التي تستغلها التنظيمات في عمليات الاستقطاب والتجنيد.
ولعل ما يميز «اعتدال» بنوع خاص، عن سائر المراكز التي تعمل في هذا الإطار، مقدرته العصرانية على قراءة ومتابعة التطورات والتحورات الخاصة بجماعات العنف في تعاطيهم مع أدوات التواصل الجديدة، تلك التي باتت سلاحاً ذا حدين، نعمة إذا أُحسن استخدامها، ونقمة إن وجدت طريقها إلى جماعة الشر.
تابع «اعتدال» العام الماضي وخلال أزمة تفشي فيروس «كوفيد - 19»، والحديث للدكتور الشمري، قيام جماعات وتنظيمات متطرفة باستغلال هذه الأزمة الإنسانية ومحاولة نشر الأفكار المتشددة إلى حد المتطرفة، مستفيدة من الاستخدام العالي لمنصات التواصل الاجتماعي إبان الحجْر في المنازل.
والشاهد، أن الباحثين في «اعتدال»، قد أجادوا في تحليل سلوك بعض هذه الجماعات على العديد من المنصات في ذروة انتشار الجائحة، وقد شاهد الجميع ارتفاعاً في المحتوى المتطرف الذي يروّج لمواد إعلامية تدفع نحو مزيد من الهلع وتقويض الثقة بقدرات المجتمع الدولي حيال التعامل مع الأزمة بالشكل المطلوب، إضافة إلى قيام تلك المحتويات بطرح آيديولوجيات متطرفة ضد الدول ومؤسساتها.
تجيء اتفاقية الشراكة التي وُقّعت أخيراً بين «اعتدال» والأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، علامةً على الإدراك الواعي بأهمية التعاون والشراكات بين الأمم والشعوب، وضمن الإطار الكوسمولجي الساعي لمكافحة التطرف ونشر السلام.
في زيارته الأخيرة، وهي الثالثة من نوعها، أشاد الدكتور جهانجير خان بالعمل الرائد والقيادي الذي يقوم به «اعتدال»، معتبراً أنه عمل رائد على مستوى العالم، كما أعرب عن سعادته بتوقيع الاتفاقية المشتركة.
هذا الإنجاز السعودي المشهود له أممياً، هو نتاج لخطط وُضعت، واستراتيجيات بُلورت ونُفذت، ومبادرات تفاعلت اجتماعياً، وجميعها أدركت المخاوف من موجة تطرف وإرهاب قائمة وقادمة.
«اعتدال» خطوة تقدمية سعودية مقدّرة إقليمياً وأممياً.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.