.
.
.
.

"بشرى" اسماعيل هنية وحسن نصرالله الى "الأمّة": جهوزية المُجوَّعين!

فارس خشان

نشر في: آخر تحديث:

في مقابلة أجرتها معه إحدى قنوات التلفزيون الايراني، قبل يومين، كشف رئيس المكتب السياسي ل"حركة حماس" اسماعيل هنيّة عن فحوى اجتماعه الأخير مع الأمين العام ل"حزب الله" حسن نصرالله، معلناً، بطريقة واضحة " أنّ الأمّة أصبحت أكثر استعداداً وجهوزية لأن تخوض ما يسمى الانتقال من استراتيجية الدعم والاسناد الى استراتيجية الشراكة في إنجاز مشروع التحرير".

وهذا يعني، عملياً، أنّ "الأمّة"، وهي، في الواقع، ليست سوى جبهات تأتمر ب"الحرس الثوري الايراني"، تستعد لحرب مفتوحة ومنسّقة ومتزامنة مع اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.

وهذا الإعلان جذّاب في ظاهره، خصوصاً لمؤيّدي هذه "الأمّة"، على اعتبار أنّه يوحّد الجهود لتحقيق الإنجاز العظيم الذي تزدحم الروزنامة بمواعيد كثيرة ضربت له، فظهر، حتى تاريخه، أنّها كانت مجرّد سراب.

ولكنّ هنيّة نسي، وهو يجود في تدبيج كلمات إعلانه هذا، أن يقول لشعوب غزّة ولبنان وسوريا والعراق وايران واليمن وغيرها، كيف وجد ونصرالله أنّ "الأمّة" أصبحت مستعدة وجاهزة لخوض مثل هذه الحرب الكبرى.

في الواقع إنّ جل ما تلمسه شعوب هذه "الأمّة" هو الانهيارات الداخلية الخطرة للغاية، حيث المواطن يئنّ جوعاً، وينتحر يأساً، ويُقتل على "جبهات" محطات الوقود، ويموت من نقص حاد في الأدوية، ويكفر من ظلمة دامسة، ويرمي نفسه في قوارب الهجرة، شرعية كانت أو غير شرعية، بحيث بات أشبه ما يكون بإنسان العصر الحجري.

لا أحد يستطيع أن ينفي هذا الواقع المرعب الذي وصلت اليه حال "الأمّة"، بقيادة "الجمهورية الاسلامية في ايران"، وفي مقدمهم هنيّة ونصرالله، فهل تكون كل هذه المآسي هي ما يعنيه بالجهوزية التي يتحدّث عنها؟

قد يكون الأمر كذلك، فشعوب "الأمّة" لم يعد لديها، باعتقادهما، ما تخسره، وتالياً بات سهلاً ومتاحاً التضحية بها في مشروع حرب، فبدل أن تموت جوعاً لتمت في المواجهة!

وسبق أن عرفت البشرية، في حقباتها السوداء، قيادات كانت تتوهّم أنّ شعوبها، مثل كلابها، تصبح أكثر شراسة في المواجهة، إن هي جرى تجويعها قبل وضعها في الميدان.

ولكن لا يبدو من ظاهر حال نصرالله وهنية، كما يبدوان على الشاشات، أنّهما يقدّسان الحرمان والجوع، بل العكس هو الصحيح.

واذا كان شعب غزّة حرّاً في مقاربة كلام هنيّة، بالشكل الذي يناسبه، ووفق الأولويّات التي يضعها لنفسه، في ظلّ المعطيات التي يعيشها، فإنّ نصرالله لا يملك هذه الميزة، إزاء الشعب اللبناني الذي باتت دائرة التمرّد على نهج "حزب الله" فيه تتّسع، بعدما تأكّد الجميع أنّه يقودهم الى مذبح ايراني، لا صلة له بأي خطة تحريرية، على الإطلاق.

من المضحك أن يطلب أيّ مراقب من المرجعيات اللبنانية الدستورية، المحكومة بوجوب احترام القرارات الدولية التي وافقت عليها، اتخاذ أي موقف من كلام هنيّة بخصوص "الجبهة اللبنانية"، نظراً لسقوط المنظومة الحاكمة بدءاً برئاسة الجمهورية، تحت سطوة "حزب الله"، ولكنّه من المؤسف أنّ ما كشفه هنيّة عن توجّه نصرالله سوف ينتج مزيداً من "التعتير الوطني".

إنّ هذا التوجّه لا يمكن ان يترجم إلّا بوجوب التشدّد "الممانعاتي" في تشكيل الحكومة، بحيث تتمتّع الحكومة العتيدة، بجهوزية لتغطية قرار الحرب، عندما يأتي الأمر الإيراني ل"حزب الله"، باتّخاذه، وبالقدرة على مواجهة المجتمع الدولي الذي يصرّ على أنّ أيّ برنامج لإنقاذ لبنان، هو تقني من جهة ولكنّه أيضاً "سيادي"، من جهة أخرى.

وفي آخر موقف اتّخذه الاتحاد الاوروبي من لبنان، يوم الاثنين الماضي، شدّد على "أهمية التزام لبنان بسياسة النأي بالنفس عن جميع النزاعات الاقليمية، تماشياً مع إعلان بعبدا".

وهذا الموقف الصادر عن أكثر تجمع اقليمي حريص على إنقاذ لبنان، يتنافى، كليّاً، مع الأجندة التي اعلنها هنيّة، في خصوص اجتماعه الأخير بنصرالله الذي كان قد أمر بتمزيق "إعلان بعبدا"، فأطاعه الجميع، "لاحسين" بذلك تواقيعهم التي كان لا يزال حبرها نديّاً.

ولا تقتصر الإشكالية على المسألة الحكومية، بل تتعدّاها إلى ما هو أخطر، ذلك أنّ حديث هنيّة من إيران عن فحوى "تفاهمه" مع نصرالله يمكن أن يشرح، بوضوح أكثر، خلفية الصليات الصاروخية التي انطلقت،بوتيرة غير مسبوقة في الآونة الأخيرة، من لبنان على إسرائيل، وجرى نسبها الى مجموعات فلسطينية.

إنّ هذه الصليات، اذا ما وُضعت في ميزان "التفاهم" بين هنيّة ونصرالله، لا تكون، في الواقع، سوى تهيئة الأرضية ل"تعدّد الجبهات".

ومن شأن هذه الصليات الصاروخية، في ضوء طبيعة الرد العسكري الاسرائيلي عليها، من جهة أولى، ورد "حزب الله" على الرد، من جهة ثانية أن تعيد لبنان الى الوضعية التي كان عليها قبل القرار الدولي الرقم ١٧٠١ الذي أنتجته حرب تموز/ يوليو ٢٠٠٦.

قد يجادل المرء في صحّة أو عدم صحّة وجوب توحيد الجبهات في وجه إسرائيل، ولكن لا يمكن ان يجادل أحد، في افتقاد الجميع للحد الأدنى من المكوّنات الموضوعية التي تسمح بإعلان "جهوزية الأمّة" لخوض حرب كبيرة، إذ إنّ أخذ شعوب تفتقد الى الحد الأدنى من مقوّمات العيش، الى مواجهة، هو قرار مضمر، بالتضحية بها.

لقد علّم خبراء الاستراتيجية أصغر العسكريين أنّ جهوزية المواجهة، لا تقتصر على توافر عدّة تُزعج العدو، بل تشترط، قبل ذلك، تأمين ما يلزم تحقيقاً لصمود الشعب ولحمايته من الخطر ولإنقاذه من الجوع.

وفي لبنان، ناهيك عن غزة وسوريا والعراق وايران واليمن، تكثر الصواريخ ويندر القمح والدواء والاوكسيجين والمازوت والبنزين والغاز والكهرباء والماء والمال والغذاء والرجاء والصبر و"الخلق".

وهذا الواقع المأساوي يكفي لعدم الخوض في غمار وجوب توافر شرط استراتيجي آخر للمواجهة، وهو المقارنة بين حال "الأمّة" من جهة وحال إسرائيل، من جهة أخرى.

في ضوء هذا النوع من إعلان "جهوزية الأمّة" لم يعد مستغرباً لماذا تتقهقر شعوب يمسك بقرار حربها وسلمها، غصباً أو طوْعاً، أمثال نصرالله وهنيّة.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.