.
.
.
.

إنها خطوة في الاتجاه الصحيح

خالد أحمد الصالح

نشر في: آخر تحديث:

في مناسبتين مختلفتين تمنّيت على صاحب قرار، في مجلس التعاون، أن يتبنى إنشاء دار نشر، فقد حان الوقت لتكليف الباحثين والعلماء والأدباء والمفكرين الخليجيين للكتابة ونشر البحوث في المواضيع السياسية والثقافية والأدبية والفكرية، أتفق مع الجميع بأن الكتاب فقد بريقه، ولم يعد سلعة متداولة، ولكن تبقى معلومات تلك الكتب والبحوث مراجع لنا تظهر صورتنا الحقيقية أمام العالم.

أهتم كثيراً بالاستماع إلى جلسات الكونغرس الأميركي في مواضيع تمس بلادنا، المعلومات المتداولة في تلك الجلسات مُستمدّة عادة من تجارب ضيقة أو مراجع غربية، تلك المعلومات ليست فقط غير دقيقة وأحياناً غير صادقة لكنها معلومات مُضللة تؤدي عادة إلى استنتاجات خاطئة تدفع بلادنا ثمنها.

لا بد من الاعتراف أن الولايات المتحدة وربما روسيا تملكان التأثير الأكبر في الشرق الأوسط، أما بقية الدول، كدول أوروبا، فهي في حكم المستشارين، صوتها عال وتأثيرها متوقف على صاحب القرار، إنّ ما تراه القوى الدولية في حقنا أمر مهم جداً بالنسبة لنا، ومن الواجب على قادة الفكر عندنا أن يتبنوا التحرك المكتوب والمسموع من أجل إيصال الصورة الأقرب إلى الواقع عنا، إيصال تلك الصورة للقوى العالمية والتوقف عن الشعارات الكاذبة والمدغدغة للعواطف والتي نتج عنها، حتى الآن، أربعُ دولٍ فاشلة في عالمنا العربي.

إن الدول الكبرى - لمن يقترب منها - يُدرك أنها تملك قدرات مادية كبيرة جداً وتتفوق علينا بقوة عظيمة لا تُمكِننا من تجاوز تأثيرها علينا، وإذا عاديناها فلن نحلم بالانتصار عليها، سوى - طبعاً - بالأهازيج والشعارات التي نتج عنها ما نراه اليوم من واقع في بعض دولنا العربية، واقع يحيطه الشقاء والبؤس، وهو مُغلفٌ من كل جانب بشعارات فارغة توحي بالعزة والكرامة، بينما هي تحمل الذُلَّ في لقمة العيش وإهانة الكرامة والتبعية العمياء.

إن البعد الديني لهذه القضية معنا، فديننا الحنيف جعلنا في جهاد مستمر، ومن أساليب الجهاد إعداد القوة وبنائها، ونحن لا نستطيع أنْ نُعِّد القوة ما دمنا في عداء مكشوف مع من بيده أدوات التصنيع والتقنية والعلم، الوسيلةُ الصحيحة هي التواصل معه وإظهار الصورة الحقيقية عنا، فصورتنا أمامه مُشوّهة بسبب كثرة الرسائل الخاطئة التي تصل إليه، ولأننا لا نملك مراجعَ حديثة ولا مفكرين نشطاء بأعداد كبيرة، لأننا كذلك تجد أن معظم ما يكتبه الغرب والشرق عنا مستمدٌ إما من بيانات مُلفقّة أو مُستقاة من مراجع كتبها مفكرون غربيون وشرقيون لم يكونوا على دراية كافية بما يكتبون.

قرأت قبل مدة طويلة كتاب نعوم تشومسكي الذي يبلغ من العمر اليوم اثنين وتسعين عاماً، قرأت كتابه (الدولة الفاشلة) الذي كتبه قبل نحو خمسة عشر عاماً، وفي الفصل الذي يتناول الشرق الأوسط كانت مراجعه في غالبيتها مأخوذة من تقارير غربية، وتهريبات مخابراتية مُعادية وبعد عودتي لقراءة ذلك الفصل مرة أخرى تبيّن لي بوضوح أن ما ذكره في ذلك الفصل في معظمه معلومات بعيدة عن الدقة واجتهادات تعكس بُعد المؤلف، رغم علمه الواسع وخبرته الكبيرة، بُعده عن تحري الدقة، وقد كان واضحاً لي أن سبب تلك المعلومات، ربما يعود بالدرجة الأولى إلى افتقار المراجع العربية وافتقار الترويج لها، إن كاتباً بحجم نعوم تشومسكي، رغم ميوله اليسارية، يُعتبر مرجعاً مهماً لأصحاب القرار الأميركي، ولا شك أيضاً أن المثقف الأميركي سيبني أغلب فكره عنا من مثل تلك الكتب، بالطبع هذا الفصل من كتاب (الدولة الفاشلة)، لم تتم مراجعته والرد عليه من أي مرجع عربي، بل الأدهى من ذلك أن مفكرين عرباً جعلوا هذا الكتاب أحد مَراجعهم واستعانوا بفقرات منه لتأييد وجهة نظرهم، إنها أقرب إلى التراجيديا الساخرة، حيث يتم وصفنا من غيرنا ونحن ننظر إلى المرآة، ونُصدّق ما يقولون عنا خلافاً لما نراه.

للمرة الثالثة وليست الأخيرة، لا بد أن يتولى أحد أصحاب القرار مسؤولية إنشاء دار نشر تستقطب المفكرين لدينا، وتنشر المعلومات والردود وتوضح الحقائق عن ثقافتنا ورغباتنا في المشاركة الجادة في الحضارة الإنسانية، تنشرها بلغات عدة لتوفير المادة الدقيقة عن أوضاعنا وأفكارنا وثقافتنا، إنه الطريق الأسلم للتحاور مع الأقوياء للوصول إلى تفاهم مشترك يجعلنا نخطو في الاتجاه الصحيح من أجل دول متحضرة وقوية.
* نقلا عن "الراي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.