.
.
.
.

جنازة دلال وفرح نيللى!

طارق الشناوي

نشر في: آخر تحديث:

بلغت سطوة (السوشيال ميديا) على دقائق حياة المشاهير، أن الكل صار عليه واجب قومى مقدس أن يشرح للجمهور لماذا فعلت هذا أو لم أفعل ذاك، وما هى دوافعى فى هذا وذاك.

الناس تراقب الفنانين الذين ذهبوا لوداع دلال عبدالعزيز، فتحصى عدد الدموع التى انهمرت من تلك الفنانة، هل كانت غزيرة أم شحيحة، ولماذا تأخر فلان عن الذهاب مبكرًا أو أن «علان» شُوهد وهو ممسك بـ(الموبايل)، بينما ترتان لم يسلم بحرارة على تلك الفنانة، ولسان حالهم يقول حذار من الإنكار، دليل الإدانة جاهز فى أيدينا.

أغلب نجومنا سلموا أنفسهم- تسليم أهالى- لسطوة (السوشيال ميديا)، وما الذى سوف يقوله الناس عنهم صار هو الكابوس الذى يقض مضاجعهم، نيللى كريم قررت مثلًا عقد قرانها اليوم بعد أن أرجأته 72 ساعة للمشاركة فى الحداد، أى نجم سيحضر أو لا يحضر عليه أن يكتب على صفحته الأسباب فى الحالتين.

قرأت لعدد منهم يؤكد أنه خارج الحدود، مبررًا غيابه عن الجنازة، وبعدها الفرح، وهناك من قالت إن حضور الجنازة ممنوع شرعًا، ونجمة معتزلة يبرر زوجها الفنان الكبير لماذا لم تشارك فى غُسل دلال، رغم أن الأمر لم يكن مطروحًا أصلًا على أحد.

ما كل هذا العك الذى صرنا نعيش فيه، ونحن لا نكف فى كل أحاديثنا عن ترديد (دع الخلق للخالق)، بينما واقعيًا لم نترك شيئًا للخلق إلا وحشرنا أنفنا فيه!!.

المصرى الذى كان يردد فى الماضى «الغايب حجته معاه»، صار الآن يريد أن تصبح حجتك أنت معاه!!.

الخوف من سطوة الرأى العام وترديد ما يعتقدون أنه يحظى برضا الأغلبية صار هو الهدف، وتلك هى الشعبوية المقيتة فى أسوأ أنماطها، والتى تعنى ألا تقول بالضرورة قناعاتك، ولكنك تجهر بما تعتقد أن الأغلبية تريده، والبوصلة التى توجهك هى الوسائط الاجتماعية، تحركك وفقًا لمؤشر زئبقى مخادع، فلا أحد يوقن من مشاعر الناس.

هل جاء هذا الفنان للعزاء لأنه يخشى أن يُتهم بالتقصير، أم لأنه يبحث عن لقطة، أو عن دور، أو لأنه حقًا يشعر بالحزن؟

الرأى العام يراه البعض كتلة واحدة تتحرك وفقًا لعصا (مايسترو) يقف بعيدًا عن الأنظار ممسكًا بكل الخيوط، يمنح العازفين إشارة البدء وفقًا للموازير الموسيقية المتفق عليها سلفًا، هل هذا يعبر عن حقيقة الرأى العام، أم الجزء الظاهر منه، أقصد أصحاب الصوت العالى، هؤلاء ينتشرون داخل مفاصل الحياة، ولهم كما يقول المثل اللبنانى (قُرص فى كل عُرس) يسارعون بتوزيع صكوك الاستحسان على هذا والاستهجان على ذاك، بدعوى أنهم يمثلون الرأى العام والحقيقة أنه رأيهم فقط، فلا أحد من حقه التحدث باسم الناس.

لا شىء من الممكن أن يجبر الإنسان على أن يظل خاضعًا لكل تلك العيون التى لا تكتفى بأن ترصده ولكنها تترصده.

انتحرت سعاد حسنى قبل نحو عشرين عامًا بسبب تلك العيون المتلصصة، عندما نشرت كاتبة صحفية أن سعاد ضُبطت متلبسة فى لندن وهى تشرب (الملوخية) مباشرة من الطبق بدون المرور على الملعقة، قال لى وقتها الموسيقار الكبير كمال الطويل إنه طلب من الصحفية ألا تنشر شيئًا قائلًا لها: (لو كتبتِ ستنتحر سعاد)، وبعد أسابيع من النشر انتحرت سعاد. ولانزال ننتظر ضحايا آخرين!!.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.