.
.
.
.

التزييف العميق

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

كنا قبل سنين نسمع عن تقنية «التزييف العميق» وهي تقنية تعتمد على خوارزميات تستبدل بها الوجوه في الأفلام واللقطات ونحوها، وقد رأينا من ذلك بعض استعراضات هذه التقنية بما ينبهر له العقل ويخاف منه القلب..

في الحديث المروي "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الشهادة فقال للسائل: ترى الشمس، قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع". وقد صححه الحاكم على ضعفٍ في إسناده، وهو أثر يؤكده غيره من الأدلة في وجوب تحري المصداقية في الشهادة، والتحذير من اعتماد تناقل الأخبار المشكوك فيها ونسبتها إلى آخرين.

وقد أنزل الله آيات تتلى إلى يوم القيامة يحذر فيها المسلمين من تداول الأخبار وتناقل الإشاعات دون تثبّتٍ وتأكد، من أشهرها وأبينها قوله جل في علاه "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة".

وهذه من المعلومات في الدين التي قد لا تخفى على جاهل فضلًا عن عالم، ولكن كيف بنا إن أصبحت الجهالات والادعاءات والتهم مصورةً كحقيقة تراها العين وتسمعها الأذن بينما هي ضرب من الكذب والافتراء؟!

في زمن ليس بالبعيد كان أحدنا لا يصدق أن يرى صورته "طبق الأصل" على ورقة بكل دقة وتفصيل، فبدأت تقنية التصوير كالشيء المستحيل ولكنه يحدث، وفي غضون سنين إذا بالتقنيات تتطور شيئًا فشيئًا حتى صار أحدنا يرى نفسه واقفاً بجوار نفسه في صورة واحدة، وتفننت الكاميرات والاستوديوهات بهذه الطفرة من العلم حتى عمّت الأرض هذه التقنيات الحديثة، وظهرت تقنيات الفيديو والبث المباشر، حتى إن بعض أهل الفقه فرق في الحكم الفقهي بين الصورة الثابتة والفيديو حيث إن الفيديو ينقل الحدث ولا تتطرق له احتمالات التغيير والخداع، غير أن هذا التفريق لا يساوي شيئًا في ميزان التصوير الرقمي، إذ إن الفيديو ما هو إلا مجموعة من صور متراكبة ومتداخلة لتنتج لنا الحركة، وباستطاعة أهل الاحتراف التدخل والتعديل في تلك الصور، وهو ما نراه في الخدع السينمائية، وفبركة بعض المشاهد والإعلانات، وهذا هو عين ما نريد الحديث عنه، فنحن نعايش ونرى تطور التقنية هذه وانتشارها في المجتمعات كانتشار النار في الهشيم، وكما كنا نعد التصوير الفوتوغرافي شيئا عظيمًا وخارقًا، ثم ما لبث أن أصبح مجرد لعبة وتسلية بيد الصغار والكبار بمجرد ضغط بعض الأيقونات على الهاتف إذا بك ترى العجب من التعديلات والتلاعب في الصور والفيديوهات، ولا يخفاك تلك التطبيقات التي تقوم بكل شيء دون تدخل منك، فتأتيك بالخدع والتلاعب والتقبيح والتحسين على الصورة، وربما كان هناك نوع من التسلية والمراح الذي تدخله تلك التقنيات في أوساط المجتمعات، إضافة إلى بعض الاستخدامات المفيدة في الإعلانات والتعليم والتجارة وغيرها كثير، لكن ماذا لو رأيت نفسك بطلًا في فيلم، أو مهاجمًا تتلاعب بالكرة بين آلاف المشاهدين في المدرجات، أو رأيت نفسك تسير في شارع من شوارع البلدان التي لم تزرها قط؟ عندئذ فإنك لا تصدق عينيك، وستتيقن أنه كذب لا محالة، ولكن كيف ذلك؟

كيف تكذب ما تراه عيناك؟ بل وتسمعه أذناك؟ أقول هذ هو ما نحن قادمون عليه فقد كنا قبل سنين نسمع عن تقنية "التزييف العميق" وهي تقنية تعتمد على خوارزميات تستبدل بها الوجوه في الأفلام واللقطات ونحوها، وقد رأينا من ذلك بعض استعراضات هذه التقنية بما ينبهر له العقل ويخاف منه القلب، ولكن الأخوف من ذلك أنها بدأت تتسرب في تطبيقات كتلك التي بين أيدينا، سهولة استخدام وسرعة استجابة، وفي ثوان معدودة تضع نفسك في أفعال وأحوال لم تفعلها قط ولن يصدق ناظرها أنها مجرد "تزييف" ولأجل هذا استهللت بالمقدمة التي تحفظ للمجتمعات ترابطها، وتحفظ للعقول قدرتها على إدراك الزيف، ومهما كانت قدرة تلك التقنيات على افتعال الزيف وتصويره كالحقيقة إلا أن العاقل سيبقى متمسكًا بمعرفته أن ما يراه يحتمل الصدق ويحتمل الزيف، وما كان كذلك فلا يبني عليه العاقل حكمًا. هذا، والله من وراء القصد.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.