.
.
.
.

أوروبا في معادلة الصراع الأميركي - الصيني

دانة العنزي

نشر في: آخر تحديث:

أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن منذ توليه السلطة أن أولويته الرئيسية، هي تشكيل تحالف دولي من الأصدقاء، أسماه تحالف الديموقراطيات، لأجل التصدي للنفوذ الصيني المتصاعد في النظام الدولي، وتقويض طموحاتها في الهيمنة خصوصاً في آسيا.

وبطبيعة الحال فإن أول أركان تحالف الديموقراطيات هم الأوروبيون - شركاء واشنطن التاريخيون – كما أن تطورت العلاقات الأوروبية الصينية على نحو كبير بدأت منذ عقد تقريباً خصوصاً على الصعيد الاقتصادي.

لكن أخيراً تشهد هذه العلاقات - خصوصاً بين الدول الكبيرة في الاتحاد الأوروبي إنكلترا وفرنسا وألمانيا - بعض التوترات على خلفيات متنوعة.

لكن على نحو عام - وهو الأمر الذى يضع الولايات المتحدة في تحدٍ كبير لكسب موقف أوروبي صلب وموحد تجاه الصين - لا تنظر أوروبا إلى الصين كتحدٍ إستراتيجي، بل لا يزال يرى بعضها في الصين أحد أهم شركائها الاقتصاديين.

وذلك على النقيض تماماً من الولايات المتحدة، التي ترى في صراعها مع الصين صراعاً إستراتيجياً وتحدياً هائلاً على زعامة النظام الدولي.

وفى صدد ذلك، تتمنع أوروبا دائماً عن وصف خلافاتها مع الصين بعبارات توحي بالصراع أو التحدي، أو أي مضامين توحي بمناخ حرب باردة جديدة في العالم، ولا تريد حقاً حرباً باردة جديدة.

ويدور التوتر الأوروبي الصيني المتصاعد أخيراً على خلفيتين رئيسيتين: الأولى مخاوف بعض الدول الأوروبية خصوصاً ألمانيا، من هيمنة وتبعية اقتصادية للصين على أوروبا، لاسيما أن أوروبا أصبحت تلاحظ ممارسات اقتصادية غير عادلة من جانب الصين.

والثاني هواجس أوروبية في شأن ملف حقوق الإنسان، خصوصاً ملف القمع الهائل الذى يعانى منه مسلمو الإيغور من جانب الحكومة الصينية، ويعني ملف حقوق الإنسان فرنسا على نحو خاص بسبب الضغوط الكبيرة التي يواجهها ماكرون من قبل المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان الداخلية.

على هذا النحو، لا يمكن النظر إلى التوتر الأوروبي الصيني بالتوتر الهائل، الذى من الممكن أن يفضي إلى قطيعة حادة بين الطرفين. وعلى هذا النحو أيضاً، يمكن القول إن بايدن يواجه إشكالية كبرى في تأسيس موقف أميركي- أوروبي مشترك للتصدي للصين.

ويزداد تحدي بايدن أيضاً، بسبب صعوبة فك الارتباط الاقتصادي على نحو خاص بين أوروبا والصين. فالصين تعد أحد أهم شركاء أوروبا الاقتصاديين، وتعمل الكثير من الشركات الأوروبية باستثمارات تقدر بالمليارات في الأسواق الصينية.

على نحو آخر، تعتمد أوروبا على الصين على نحو كبير في بعض الصناعات خصوصاً الإلكترونية.

أضف على ذلك، أن أوروبا بعدما حل بها من انهيارات اقتصادية على خلفية أزمة كورونا، تحتاج الاستثمارات الصينية بشدة من أجل إنعاش اقتصادها، خصوصاً وأن الولايات المتحدة شريكها الرئيسي يعانى هو الآخر من أزمات اقتصادية عاصفة.

وفى واقع الأمر من الصعب التعاطي مع أوروبا كتلة واحدة، رغم رابطة الاتحاد التي تجمعهم. فكل دولة تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة ولو على حساب مصلحة الاتحاد. بالإضافة إلى ذلك، خلفت أزمة كورونا أزمة ثقة كبيرة بين دول الاتحاد، بسبب التعاطي الأناني خصوصاً من قبل الدول الكبيرة مع الأزمة.

فكثير من دول الاتحاد لم تجد أحد تستنجد به للتخفيف من أزمة كورونا سوى الصين، التي استغلت الأزمة ببراعة لتعزيز حضورها الناعم في أوروبا.

وعلى أساس هذه المنطلقات وغيرها، يمكن القول إن رهان الولايات المتحدة على أوروبا في إطار صراعها مع الصين ربما سيكون رهاناً فاشلاً.

وما يدل على ذلك، هو تذبذب الموقف الأوروبي من مبادرة بايدن، إبان انعقاد قمة السبع بتشكيل مبادرة موازية لمبادرة طريق الحرير الصينية، التي مكّنت الصين من توسيع نفوذها الجيوسياسي في العالم على نحو مهول.

* نقلا عن "الراي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.