.
.
.
.

الأبعاد التربوية للانتماء العربي

رضوان السيد

نشر في: آخر تحديث:

اهتمّ مؤتمر القمة العربي في الرياض عام 2007 بإشهار تعريفٍ جديدٍ للعروبة، باعتبارها هويةً وانتماءً ثقافياً جامعاً. وما كان المختصون الذين صاغوا هذا التعريف مهتمين فقط بإزالة المخاوف من حول العروبة باعتبار الطابع السياسي غالباً عليها؛ بل أرادوا أيضاً التنبيه إلى مخاطر العولمة والمحليات معاً على اللغة العربية والثقافة العربية التي تتأسس عليها. واللغة ليست نحواً وصرفاً ومفردات كلاسيكية؛ بل هي بالدرجة الأولى فكرٌ وهوية وتربية وتعليم، وشعورٌ بالانتماء الكبير على تنوعه وتعدديته أو أنه كذلك باعتبار سعته واستجابته للاهتمامات التي تحرك الشباب والفتيان نحو أهدافٍ كبرى.

من أين تأتي المخاطر اليوم على الانتماء العربي العام؟ تأتي من تغير مفهوم أو مفاهيم «الثقافة الوطنية». فإلى عدة عقودٍ مضت، بل إلى قرنٍ مضى، كانت «الثقافة الوطنية» لدى خبراء التربية العرب تربط بين المحلي والقومي من خلال اللغة الجامعة. واللغة الجامعة تظهر في المكتوب والمرئي والمسموع في شتى الحقول والميادين. أما اليوم، ورغم التأكيد اليومي بشتى الوسائل على الولاء للأوطان والدول؛ فإنّ هذا الولاء ما عاد مرتبطاً بلغةٍ هي العربية، بل هناك مُضيٌّ من المحلي إلى العالمي الشامل مباشرةً في شتى المناحي والمجالات والاهتمامات التي لا يُعنى بها الصغار والفتيان فقط؛ بل تهم بالطبع الكهول وكبار السن أيضاً.

العالم الثقافي والسياسي والاستراتيجي الكبير يتعامل معنا باعتبارنا عرباً، أرضاً وثروات ومجالات استراتيجية، ونحن نتعامل معه باعتبار أنّ اهتماماته هي اهتماماتنا وحسْب، حتى في مجالات الرياضة، وفي تصورات الحاضر والمستقبل. هم يتعاملون معنا باعتبارنا «موضوعاً» للمصالح، ونحن نتعامل معهم بلغاتهم واهتماماتهم باعتبارها هي الأفق المفتوح على المستقبل العلمي والإنساني والأخلاقي العام.

اللغة لدى أي شعب أو مجالٍ ثقافي هي مستودع الموروث الديني والثقافي والأخلاقي القيمي والاجتماعي. وعندما يتراجع اعتبار اللغة في التربية والتعليم، وفي المكتوب والمرئي والمسموع ووسائل التواصل، ينشأ صراعٌ وتضاربٌ بين الاعتبارات القديمة أو العُرفية وأولويات الاهتمام. وهذا الأمر ليس خاصاً بنا أو بمجالنا الثقافي، فحتى البريطانيين عندهم حساسيات ضد أمركة اللغة الإنجليزية، فكيف بالفرنسيين والإسبان والألمان.. حتى لا نتحدث عن اليابانيين والصينيين. وسيقول قائل: لكنّ المنجزات الحديثة والمعاصرة ما أُنتجت على أرضيتنا الثقافية وبلغتنا! وهذا صحيحٌ لكنه غير دقيق. فنحن نتحدث عن عوالم القيم والأفكار واهتمامات الهوية والانتماء، والتي تستلزم الانتقاء المتعمّد والهادف، من أجل الاستمرار وعدم الإلغاء أو التأثير السلبي على الولاء الوطني والانتماء الوطني والقومي.

كان النهضويون العرب معجبين بالتأكيد الفرنسي على الثقافة الوطنية وصنعها المستمر من خلال التربية والتعليم. ثم عندما انتصر اليابانيون على روسيا (الغربية في اعتبارهم) في حرب عام 1905 التي نشبت بين الدولتين، راحوا يعتبرون اليابان معجزةً في القدرة على الجمع بين الثقافة الحديثة والتقدم الحديث من جهة، والتمسك بالتقاليد اليابانية العريقة في مجتمعهم وثقافتهم الأُسرية والعامة من جهةٍ أُخرى، لأنّ هذا التقدم هو «كالسيل الذي لا يمكن دفعه» بسبب أهميته في الإنجاز الحضاري والإنساني العام؛ كما هو تعبير خير الدين التونسي في كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» (1867). لكنّ التعليم شيء والتربية شيء أو أمرٌ آخَر. إن الذي أقصده ولدى سائر المهتمين بالهوية والانتماء في البلاد العربية هو الأبعاد التربوية التي ينبغي أن يُنشَّأ عليها صغارنا وفتياننا، بل وكبارنا، في الهوية والانتماء بالعربية ليبقى هذا العنصر الجامع للثقافة الوطنية والقومية في زمن وسائل التواصل المعولمة، وهي مصلحةٌ كبرى حاضرة ومستقبلية.

* نقلا عن " الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.