.
.
.
.

الأمن للمواطنين... والعمالة لـ"المنظومة"

بشارة شربل

نشر في: آخر تحديث:

لسنا متأكدين من عدم تكرار مشهد "القوة الضاربة" المخجل وهي تعتقل شقيق ضحية فوج الاطفاء جو نون. فسلطة العصابة مستعدة لاستخدام كل أدواتها حتى ولو وضعت الدركي الفقير في مواجهة طالب ربطة خبز، أو مجموعة عسكرية يفترض بها حفظ أمن المواطنين في مواجهة أولياء دم يدافعون عن حقهم في الوصول الى العدالة.

لم تكن المرة الأولى منذ 17 تشرين 2019 و8 آب 2020، ولن يكون اعتقال وليم نون ورفاقه المرة الأخيرة. للشعب اللبناني المنتفض على سلطة الإجرام تجربة طويلة مع القوى العسكرية، تميزت تارة بممارستها الحكمة وطوراً بنزق القادة الميدانيين وولاءاتهم لعصبياتهم المتجاوزة لقادتهم الكبار العاقلين. وإذا استثنينا عدوان ميليشيا مجلس النواب المتكرر على المتظاهرين، فإن التقييم لأداء القوى النظامية مفهوم ومعقول نظراً لقوة النظام وداعميه وعجز الثورة عن تعديل ميزان القوى السياسي والميداني.

لا تعفي دقة الوضع الحالي وحاجة اللبنانيين الى بقاء المؤسسات العسكرية متماسكة أي عسكري او ضابط صغير او قيادي من المسؤولية عن أي تجاوز لحدود الصلاحيات او من استعمال مفرط للقوة. فالحفاظ على النظام العام والأملاك الخاصة حدودُه احترام حرية التعبير وحق اللبنانيين في استخدام كل وسائل الضغط لانتزاع الخدمات الأساسية ومحاسبة المجرمين.

نعلم حساسية الموضوع ودقته. فكيف لجهاز أمني أن يفلت الوضع تحت رحمة الغاضبين حتى ولو كان مقتنعاً بأن المغضوب عليهم مجموعة قتلة أو متسترين عليهم او متآمرين لعرقلة العدالة؟ والأدهى اذا كان الجهاز جزءاً لا يتجزأ من آلة القمع السلطوية العمياء.

لنفترض وبحسن نية أن الجهاز الأمني مغلوب على أمره وينفذ أوامر السلطة السياسية، فإن ذلك لا يعطي تجاوزاته أسباباً تخفيفية، ذلك ان التزام القوانين المحلية والدولية أعلى من تنفيذ رغبات وزراء ونافذين هم جزء من عصابة مسؤولة عن تدمير اقتصاد ومدينة والتسبب بقتل مئات اللبنانيين، وموقعهم الطبيعي السجن المديد في أقل تقدير.

نعلم ان "المنظومة" ليست مجرد رؤساء ووزراء ونواب وأحزاب حاكمة وميليشيا، بل هي أيضاً قضاة وضباط وموظفون كبار وصغار وجمهور، وهو ما يجعل الصراع بين المطالبين بالتغيير وبين قوى السلطة و"الثورة المضادة" صعباً ومحفوفاً بمخاطر الفوضى الأهلية، لكن ذلك لن يغير شيئاً في واقع ان المنادين بقيام الدولة السيدة وسيادة القانون وإعلاء المصلحة الوطنية هم أصحاب الحق الأخلاقي والقانوني بعرف كل دساتير العالم المتحضر، وهم بالتالي في موقع الدفاع عن النفس حتى ولو ارتفعت وتيرة غضبهم وعنفهم ضد المتسببين بقتل أهلهم ومعرقلي العدالة سواء كانوا مدعى عليهم فارين من وجه المحقق العدلي أم نواب عار.

سقطت "المنظومة" مع كل من يمثلونها أخلاقياً وسياسياً. وأثبتت أنها ليست مجرد مجموعة تسلّط ونهب، بل قادرة على جرائم إبادة من المرفأ الى عكار بفعل القصد او الاهمال، لذا فإن واجب القوى الأمنية إدراك الفرق بين مهمة الحفاظ على الأمن والنظام العام وبين مؤازرة الحاكمين الذين أوصلوا البلاد الى الموت والانهيار.

لا تُحسد القوى الأمنية على وضعها الدقيق، لكن الفرق جلي بين المعتدي والضحية، ولصبر الناس المظلومين والثائرين حدود. حق مقاومة القمع الرسمي مكفول في شرعة حقوق الانسان وفي كل الشرائع الطالعة من الأرض والهابطة من السماء. "المنظومة" صارت قوة احتلال، فليحذر رجال الأمن من التحوّل الى عملاء جلادين.

* نقلا عن " نداء الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.