.
.
.
.

الغنوشي... إذا لم تستطع هزيمتهم فانضم إليهم

أحمد نظيف

نشر في: آخر تحديث:

للوهلة الأولى تبدو مواقف "حركة النهضة" المتأرجحة من النقيض إلى النقيض من الحركة السياسية التي قام بها الرئيس التونسي قيس سعيد، غريبةً وغير قابلة للتفسير، لكن لا شيء غريباً وفي التجربة التاريخية للحركة الإسلامية التونسية تفسير واضح لهذا التذبذب. في البداية وصفت الحركة إجراءات الرئيس بالانقلاب على الديموقراطية وبعد أيام قالت إنها "مرحلة من مراحل الانتقال الديموقراطي" ثم وصلت إلى قناعة جديدة بعد أيام قليلة مفادها أن تحرك الرئيس التونسي ليلة 25 تموز (يوليو) الماضي لم يكن إلا "كسراً للحلقة المغلقة التي عاشتها البلاد منذ شهور هدفها البحث عن حلول". لكن السؤال يبقى قائماً: كيف تحول الانقلاب إلى كسر حلقات مغلقة بحثاً عن الحلول ضمن مراحل الانتقال الديموقراطي، وفقاً للسردية الإسلاموية المتغيرة بشكل سريع؟.

ولد مشروع التمكين "الإخواني" في قلب المحنة. يتغذى هذا التيار ومشروعه على "المحنة" وقد وضع لها فقهاً خاصاً يسمى "فقه المحنة" يتضمن مروحة عريضة من المقولات تسندها النصوص، وهو الوجه الآخر لــ "فقه النصر والتمكين". وفي المحن على الجماعة أن تنحني أمام العواصف ولا تواجه التيار السائد بل تحاول تجنبه وإن فشلت تسير معه كفاً بكف. هذه الليونة السياسية التي يصفها خصوم الإسلاميين بإزدواجية المواقف والنفعية، هي التي جعلت هذه الجماعة تبقى مستمرة في العمل بعد نحو تسعة عقود من تأسيسها، اذ دأبت على ممارسة نوع من التحول والتكيف مع السياقات والساحات بشكل شديد الليونة لا يجعلها تفنى تماماً، بل تتغير من شكل إلى شكل آخر أو من سلوك إلى سلوك مغاير.

وجرياً على هذا النهج عادت "حركة النهضة" في العام 2011 وحاولت التوجه نحو التمكين رأساً مستقوية بالتفويض الشعبي الذي كسبته في الانتخابات، فأدركت أن القوة الشعبية غير كافية للتمكين في غياب ولاء مؤسسات الدولة الصلبة وفي غياب حزام نخبوي في الثقافة والإدارة والمال يسند مشروعها التمكيني، لذلك تراجعت قليلاً في 2013 وخرجت من الحكم في سياق اقليمي كان ضاغطاً على تيار "الإخوان المسلمين" بعد خروج الجماعة الأم في القاهرة من السلطة ومن المشهد السياسي جذرياً. هنا أعادت "حركة النهضة" ترتيب الأوضاع على قاعدة "إذا لم تستطع هزيمتهم، فانضم إليهم". فقد وصلت إلى نتيجة مفادها استحالة تفكيك الطبقة الحاكمة منذ عقود واستبدالها بأخرى موالية فانخرطت في المصالح المشتركة للطبقة الحاكمة وقد بدا ذلك واضحاً بعد انتخابات 2014 من خلال تحالفها مع حركة "نداء تونس" والباجي قائد السبسي والدخول فعلياً في مسار "التوافقية" وفي علاقاتها مع رموز مالية وإدارية حتى من النظام القديم، حتى أن راشد الغنوشي اتخذ مستشاراً له في رئاسة مجلس النواب هو محمد الغرياني آخر أمين عام لحزب "التجمع الدستوري" المنحل، حزب الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

أما اليوم وقد أطلت المحنة برأسها من جديد، فتحاول الحركة الإسلاموية التونسية تجنب الوقوف في وجه التيار السائد، تيار الرئيس سعيد – لاعتبارات ذاتية تتعلق بضعفها التنظيمي وتخلي قاعدتها الشعبية ولأسباب موضوعية تتعلق بتخلي المجتمع الدولي عنها – لذلك حاولت منذ البداية تجنب المواجهة ومنذ يومين قالها راشد الغنوشي بوضوح كبير: "نحن سندعمه (الرئيس قيس سعيد) ونعمل على إنجاحه" وفاءً للقاعدة نفسها "إذا لم تستطع هزيمتهم، فانضم إليهم" حتى تمر العاصفة. بل إن الحركة زادت في طنبور التراجع نغماً بالإعلان عن أنها ستقدم نقداً ذاتياً للمرحلة السابقة، مع أننا ما زلنا ننتظر النقد الذاتي لمرحلة ما قبل الثورة، والذي وعدت به الحركة سابقاً ولم يرَ النور بعد، ولا أعتقد أنه سيراها.

بيد أن الطرف الآخر، ليس بذلك السياسي التقليدي، الذي يلتقط الرسائل ويبرم الصفقات كما هو الشأن مع بن علي أو الباجي قائد السبسي، فقيس سعيّد رجل قادم من خارج مجتمع الطبقة السياسية السائدة بقناعات غريبة عن مجتمع النخبة ولا يبدو أنه في وارد الدخول في مساومات مع قيادة "حركة النهضة" في الوقت الحالي حيث كان واضحاً في كل مرة أعلنت فيها الحركة عن موقف متراجع داعٍ للحوار بعد 25 تموز (يوليو)، كان موقفه متصلباً ورافضاً لأي نوع من التواصل، اذ صرح في مناسبة أولى بأنه "لا عودة إلى الوراء" ولا حوار مع من وصفهم "بخلايا سرطانية" وأردف في أعقاب مقابلة الغنوشي الصحافية التي لوح فيها بدعم الرئيس بأن الخريف سيكون موسم تنظيف المشهد السياسي "من طريق القنوات القانونية بالرغم من أن البعض في تونس مكانه قنوات تصريف المياه".

وعلى هامش كل ذلك ما زال راشد الغنوشي يحاول البحث عن مخرج من هذه الأزمة – التي يمكن أن تنهي الحركة الإسلاموية شعبياً – من خلال تقديم حركته على أنها "حامية الديموقراطية التونسية" وبوادر مراجعة للسياسات السابقة تبدو متأخرة جداً، حيث أعلن في مقابلة صحافية أن: "حركة النهضة مستعدة للتضحية من أجل استكمال المسار الديموقراطي ومنفتحة على المراجعة الجذرية لسياساتها". بيد أن هذه التصريحات التي تبقى شعارات إعلامية من دون أن تترجم. وفي الواقع لم تعد تلقى صدى لدى التيار السائد المعارض لـ"النهضة" سواء من جهة الرئيس أم من بقية أطراف المعارضة. فقد وصل كثيرون – بمن فيهم أولئك الذين كانوا يطالبون منذ سنوات باستيعاب الإسلاميين في العملية السياسية – إلى قناعة مفادها أن الديموقراطية التي يدافع عليها الإسلاميون هي "الديموقراطية الإجرائية" من انتخابات وبرلمان وغيرها، وهي مجرد أداة لتمكين المشروع الإسلاموي، وليست الديموقراطية بما هي منظومة متكاملة تضمن الحريات الفردية والعامة والتداول وغيرها.

نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.