.
.
.
.

حرية أكثر

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

امتدت زيارة المؤرخ البريطانى «برنارد لويس» إلى مصر، عدة أسابيع، عقب عودته نشر تقريرًا مطولًا عن الزيارة فى عدد أغسطس ٦٩ بإحدى الدوريات الشهرية، وسوف نلاحظ أن هناك الكثير من التفاصيل أخفاها تماما، ولم يعد إليها أو يذكر شيئا عنها بعد ذلك، عاش حوالى نصف قرن بعدها، ٤٩ سنة بالضبط، لم يوقع التقرير باسمه، على غير عادته، واختار اسما رمزيا هو «ابن العسال»، وذكر أنه فعل ذلك، حتى يجنب بعض الأصدقاء المصريين المخاطر، وقد أدى به ذلك إلى تجهيل كل أسماء «المصادر» الذين تحدثوا إليه، ويمكن أن نتفهم ذلك، لأن معظم الأحاديث كانت تنطوى على انتقادات قاسية لنظام الحكم وللرئيس عبد الناصر شخصيًا، وتناول أمور على درجة عالية من الحساسية مع كاتب أجنبى، وتحديدًا «إنجليزى»، فى تلك الفترة، وفى أجواء الحرب، كان يمكن أن يعرض تلك «المصادر»، أو الأصدقاء إلى بعض مشاكل قانونية، لكن يبدو أنه أخفى اسمه، هو نفسه، لسبب إضافى، لم يشر إليه، وهو أن يظل طريقه إلى القاهرة مفتوحا وسلسا، يدخل ويخرج على الرحب والسعة، فى أى وقت يحب، بلا أى اعتراض أو امتعاض، خاصة أنه كان بنظر الكثيرين، مستشرقا، مشغولا ببعض جوانب التاريخ الإسلامى، وهو كان كذلك بالفعل، لكنه كان مستغرقا أيضا فى القضايا العربية والإسلامية المعاصرة؛ والأهم من ذلك أن لا تنتبه القاهرة إلى أن ملف السلام بين مصر وإسرائيل، موضوع تركيز واهتمام بريطانى إلى حد أن ينشغل به مؤرخ فى وزن برنارد لويس، بكل خلفياته وارتباطاته، ليس ذلك فقط، بل مستقبل الرئيس عبد الناصر نفسه ومستقبل نظامه، ويأتى لويس لمناقشته هنا فى مصر ومع مواطنين مصريين.

الغريب هنا هو الاسم الذى اختاره، يوقع به؛ «ابن العسال»؛ شاعر أندلسى من طليطلة، برع فى البكائيات على المدن المنهارة والضائعة، خاصة مدينته طليطلة، هل أراد لويس إسقاطًا ما، على الحالة المصرية والعربية (الناصرية)؟!.

لقد ظلت دراسته أو التقرير عن تلك الرحلة فى تلك الدورية، التى ربما لم تكن معروفة جيدا للمسؤولين هنا وربما الدارسين، لكن فى سنة ٢٠١٤، ظهرت فى مجلد ضخم نشرته جامعة أوكسفورد، ضم أكثر من خمسين دراسة قصيرة، متفرقة، نشرها لويس فى العديد من الدوريات، وقام المترجم الراحل، الصديق طلعت الشايب بنقله إلى العربية، تحت عنوان «تفسير الشرق الأوسط »، بلغت الترجمة ٨٦٠ صفحة، ونشره المركز القومى للترجمة سنة ٢٠١٧.

الواضح من ثنايا الدراسة أن الزيارة بدأت بعد استشهاد الفريق عبد المنعم رياض بفترة قصيرة، أى فى إبريل أو مايو.

تضم دراسته جانبا يتعلق بانطباعات خاصة به، وجانبا آخر فيه تأملات تاريخية، وجانبا أخيرا يتناول لقاءاته وما سمعه من الشخصيات التى التقى بها، وبالتأكيد كانوا من النخب العلمية والثقافية وكذلك السياسة، حضر حفلات وندوات ومحاضرات، ومن ثم لن يخرج الجمهور عن تلك الدوائر.

فى مجال الانطباع، لاحظ هو، كما لاحظ غيره، أن مصر بعد حرب ٦٧، تشهد ما يقول عنه «مساحة أكبر من الحرية»، طبعا حرية التعبير والانتقاد، صحيح أنه طوال الوقت لم تتوقف الانتقادات للنظام، لكنها قبل الحرب، كانت انتقادات سرية أو خفية، فى الجلسات الخاصة جدا، ويتلفت المرء حوله، قبل أن يتكلم ليتأكد من أن أحدا لا يتسمع أو يتنصت عليه، وكانت الانتقادات تتعلق بالنظام عموما، كانت كذلك الانتقادات توجه إلى بعض الأشخاص داخل النظام أو من حاشية الرئيس، مع الاقتناع بأن كل ذلك يتم من وراء ظهر عبد الناصر ودون علمه، لكن فى زيارته (١٩٦٩) لاحظ أن الانتقادات لم تعد تقال همسا، لكن بصوت مسموع ودون تخوف أو تحسب، يضاف إلى ذلك أن الانتقادات لم تعد تتركز- فقط -على الحاشية أو المقربين من عبد الناصر، ولكن امتد بعضها إلى الرئيس شخصيًا، ويذكر لويس أنه استمع إشارات إلى بعض أقارب الرئيس الذين كونوا ثروات، كان أحد إخوة الرئيس طالته الشائعات وجرت محاسبته بالفعل، والحكاية معروفة فى الإسكندرية، حيث كان ذلك الأخ يعيش، وقد تناولها الكثير من الأقلام. كانت أصوات المصريين ترتفع بالانتقاد، ولم يكن يحد منها سوى وجود المراسلين الأجانب، حيث كان كثير من المواطنين يقلقون مما ينقله هؤلاء عنهم وعن بلدهم إلى الخارج.

لم يكن الأمر يحتاج إلى كثير من الاجتهاد، لو أنه استمع إلى كثير من النكات التى انتشرت وقتها، فإن بعضها تعلق بعبد الناصر، تحديدا سياساته العامة، كانت هناك نكتة ترددت كثيرا فى المقاهى والجلسات العامة، سمعناها كثيرا ونحن أطفال فى قرانا البعيدة، تقول إن «موشى ديان»، افتتح محل جزارة وذهب إليه مواطن يشترى لحما، وكلما طلب شيئًا وجده لديه، إلى أن طلب «لسان»، فرد عليه ديان: ليس لدىّ، روح اشترى من عبد الناصر، والواضح أنها نكتة «مصنعة» جيدا وليست تلقائية، وكانت جزءا من حرب نفسية تم شنها بضراوة بعد الهزيمة، توظيفًا لمناخ الإحباط واليأس، الذى أصاب الكثيرين وقتها.

ويثق هو أن النظام كان على علم بتلك الانتقادات، لكن ذكاء ومهارة عبد الناصر، أن سمح بها وترك مساحة الحرية تتسع، كى ينفس المواطن عما يشعر به، فلا يقع الانفجار، وبهذه المساحة من الحرية، أفلت النظام من أن يصنف فى خانة النظم الديكتاتورية والقمعية فى أوروبا الشرقية تحديدا؛الذى دفعه إلى ذلك الفهم، أن تلك الحرية فى التعبير والانتقاد لم تتحول إلى فعل سياسى على الأرض، وأنه لا توجد مساحة كبيرة للحرية داخل «الزمرة الحاكمة»، ولم يذكر أى تفاصيل، لكن لو دقق ودرس تفاصيل تلك «الزمرة»، لوجد قدرًا كبيرا من التباين داخلها، كان فيها محمد أنور السادات وكان فيها على صبرى، وهكذا.

واقع الحال أنه من الصعب التعامل مع تلك المساحة من الحرية، على أنها مسألة تنفيس أو سماح رسمى للمواطنين بالفضفضة، وإن كان ذلك لا غضاضة فيه؛ الحق أن شرعية عبد الناصر، زعامته ونظامه، تغيرت وإن شئنا الدقة العقد الوطنى بين الزعيم والمواطنين تم تعديله بعد٦٧؛ قبلها كانت شرعية الإنجاز، القيام بثورة يوليو وإخراج الإنجليز من مصر نهائيًا وتأميم القناة، كانت هناك عملية مقايضة هو يحقق لهم ما يحلمون به، حتى دون أن يطلبوا منه ذلك، فى المقابل، لا يسائلونه ولا يحاسبونه، الثقة الكبيرة به تغنى وتكفى، كسرت الهزيمة تلك المعادلة، وهو بكبرياء ومسؤولية وطنية أدرك ذلك فى لحظتها، لذا تقدم باستقالته، فأعاده المواطنون، رافضين الاستقالة، عشنا وشفنا مظاهرات مليونية تطالب البعض بالرحيل وتهتف بسقوط النظام، ٣٠ يونيو نموذجا وقبلها١١ فبراير، لكن تبقى مظاهرات ٩و١٠يونيو استثنائية فى التاريخ المصرى وربما الإنسانى كله رفضا لاستقالة رئيس والإصرار على بقائه، هنا بتنا أمام شرعية جديدة مصدرها المواطن، أولا وأخيرا، وليست شرعية «الضباط الأحرار»؛ وبتلك الشرعية الجديدة واجه عبد الناصر محاولة عبد الحكيم عامر العودة إلى أوضاع ما قبل الخامس من يونيو، هذه الشرعية الجديدة لم تكن «شيك مفتوح»، لذا هب المصريون سنة ٦٨، يعترضون على تصديق الرئيس على الأحكام التى اعتبروها هزيلة على صدقى محمود والمدانين بالتقصير فى الحرب، واستجاب الرئيس لاعتراض الشارع وجرت إعادة المحاكمات، هنا أصبح الانتقاد وحرية التعبير حقا مكتسبا وليس مجرد تنفيس، لأنه صار فعلًا جماعيا فى الشارع وبأعلى صوت، تلك المظاهرات ترتب عليها صدور بيان٣٠ مارس، الذى مثل برنامجا سياسيا جديدا، يفتح الباب نحو خطوات ديمقراطية على الأرض.

كانت مظاهرات رفض تنحى عبد الناصر تحير برنارد لويس منذ قيامها، وحاول أن يتفهمها فاستفسر وسمع وجهة نظر تجرد تلك المظاهرات من تلقائيتها الشعبية، وتنسبها إلى فعل أجهزة الأمن أو الاتحاد الاشتراكى وبعض قياداته؛ ومازال البعض يتبنون وجهة النظر تلك، إلى يومنا هذا، رغم أن أحداث ١٥مايو ٧١، أكدت أن قيادات الاتحاد الاشتراكى تلك، كانت نمرا، ليس من الورق، بل «البفرة»، لكن أحد الأصدقاء فى القاهرة، كان شارك فى تلك المظاهرات، وكشف عن وجهة نظر أخرى، يبدو أن المؤرخ البريطانى اقتنع بها، قال له نصا «عند سماعنا خبر استقالته كان رد فعلنا الفورى هو أنه لم يكن من حقه أن يخرج ويمضى هكذا تاركًا الأمور لشخص آخر، بعد أن وضع البلاد فى مثل هذه الورطة»، ويضيف الصديق «كان لسان حال الجماهير يقول بكل وضوح: اللى شبكنا يخلصنا». عموما مقولة «اللى شبكنا يخلصنا»، باتت التفسير المقبول والمعتمد من معظم الدارسين لتمسك المصريين بعبد الناصر ورفض الاستقالة أو «التنحى».

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.