.
.
.
.

طالبان تعود للحكم

عمرو الشوبكي

نشر في: آخر تحديث:

دخلت حركة طالبان العاصمة الأفغانية كابول دون قتال، وهرب الرئيس الأفغانى إلى خارج الحدود، ودخل قادة الحركة القصر الرئاسى، وانتقلوا من حركة مسلحة تحارب الحكومة السابقة والقوات الأمريكية إلى حركة ستدير بلدًا سبق أن أدارته «كإمارة إسلامية» ومنعت المرأة من التعليم، والآن مطالبة بأن تحكم بشكل جديد وفى ظل تفاهم غير معلن مع أمريكا.

والحقيقة أن دلالات هذا السقوط السريع للسلطة الأفغانية كثيرة، ولعل أبرزها هذا الفشل المدوى للمشروع الأمريكى فى تصنيع نخب ومنظومة سياسية خارج الحدود ومحاولة زرعها على مدار عشرين عامًا فى بيئة محلية لا تقبلها أو على الأقل تبقى على السطح دون أن تنجح فى الوصول إلى عمق المجتمع الأفغانى.

إن كثيرًا من قادة الحكومة الأفغانية لم يكونوا فقط مزدوجى الجنسية، إنما أيضًا كانوا مزدوجى الولاء، وأخذوا من جنسياتهم الأجنبية الشكل والمظهر لا الجوهر، فلم يبنوا دولة قانون ديمقراطية مثلما هو الحال فى بلادهم الثانية، ولم يسعوا لتحقيق تنمية اقتصادية، بل كرسوا للفساد وسوء الإدارة، ما جعل انفصالهم عن المجتمع واقعًا معيشًا.

وبدا مدهشًا هذا الضعف فى أداء الجيش الأفغانى الذى هرب 3 آلاف من جنوده دون قتال، وغابت عنه أى عقيدة قتالية رغم أنه يتفوق على حركة طالبان فى العدد والعتاد.

لقد قبلت طالبان بخروج الدبلوماسيين والموظفين الأجانب دون مشاكل، وأعلنت أنها ستضمن الأمان لكل من يبقى داخل العاصمة، كما أنها وصلت لتفاهمات لكى تدخل كابول دون قتال، وقالت إنها لن تكون دولة مارقة أو راعية للإرهاب وستحترم حق المرأة فى التعليم والعمل.

إن عودة طالبان للحكم عبر «تفاهم ما» مع الولايات المتحدة ستفتح الباب أمام إمكانية توظيفها فى الصراعات الإقليمية فى المنطقة، وخاصة مع إيران، رغم أنها أضعف من أن تواجه دولة بحجم إيران، ومن غير المؤكد أن تتحول تفاهماتها مع أمريكا إلى تحالف، كما أنها ستحاول أن تقدم نموذجًا جديدًا يبدو أكثر اعتدالًا من خبرتها السابقة، ليس بالضرورة عن قناعة عقائدية، إنما لأسباب عملية حتى تنال الاعتراف الدولى، أو كما قال محمد نعيم، المتحدث باسم المكتب السياسى للحركة: «إنها تريد أن تعيش مع العالم»، ولا تريد أن تتعرض لعقوبات أو حصار دولى يؤزم وضعها الاقتصادى المأزوم أصلًا.

إن أحد أسباب نجاح طالبان هو اعتمادها عن قومية البشتون التى تقترب من نصف سكان أفغانستان، وأيضًا مقاومتها لاحتلال وسلطة من صنيعته، فنالت تعاطف قطاعات واسعة من الشعب الأفغانى.

يقينًا هناك ملايين فى أفغانستان يرفضون حكم طالبان بكل صوره، ولايزالون باحثين عن مشروع أفغانى مدنى حداثى يتجاوز ثنائية الاحتلال الأمريكى وطالبان، وهؤلاء ربما تكون لهم فرصة لكى يبنوا مشروعهم بعيدًا عن القوى الخارجية ورغم حكم طالبان.

* نقلا عن " المصري اليوم "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.