.
.
.
.

معمار الرواية وبناؤها (الجزء السادس)

مع الروائي السوداني عماد البليك

د. محمد بدوي مصطفى

نشر في: آخر تحديث:

1)
الرواية والتاريخ أو المتخيل هي من أهم المباحث التي تشغل الأديب عماد البليك ... لماذا؟ ماذا عن التاريخ الذي درسناه وتعلمناه من آبائنا وأجدادنا أو لُقنا إيّاه في دور العلم؟ هل هو تاريخنا حقًّا؟ مثال تاريخ مروي وكوش الخ.

نعم أنا مشغول بالسرديات بشكل عام، محاولة تفكيك هذا العالم من خلال القصص والحكايات والمرويات، فالبشر كائنات تنتج الخطاب عبر اللغة، وهو خطاب يستند في عموده الفقري على الحكاية، ولو عدت إلى التاريخ الإنساني ستجد أن كل رؤية أو فكرة كان لها القدرة على التغيير وبناء عالم جديد استندت على حكاية أو سردية يؤمن بها جمع من الناس ومن خلالها ينشدون الطريق إلى أفق جديد. لهذا فإن اهتمامي بالرواية والتاريخ، يأتي في هذا الإطار. وأفهم التاريخ على أنه مجموعة من السرديات التي تقوم على احتمالات متعددة، إذ يمكن لنا أن نتكلم عن أكثر من تاريخ وأكثر من رواية أو سردية من خلال قدرتنا على التخيل في اللحظة الراهنة، ليس ثمة تاريخ جامد إنما هو سائل في الأساس، وما يحكم ذلك الاشتغال على تفسير الحكايات بمعنى أعمق فلسفتها جماليا وهو المسار الذي اشتغلت عليه مسارات ما بعد الحداثة في ما يعرف بـ "الميتا تاريخ" حيث يذهب الباحث إلى ما وراء المتشكل أو المرئي في الأحداث والوقائع، كما يقوم كذلك بعملية دراسة وحدة معينة أو موضوع لعينه، كما نرى في كتابات ميشيل فوكو، هذا النوع من الفلسفة التاريخية نحن في أشد الحوجة إليه لكي نفهم تاريخنا بشكل جديد، أن نقترب من مشكلاتنا لكن نعيد النظر فيها ومن ثم يكون لنا الانطلاق لبناء تصورات جديدة، إن الهدف المركزي الذي يشغلني لا يتعلق بالماضي إنما قدرة السرديات على بناء المستقبل وإحداث الثورة الإنسانية المنشودة.

بالنسبة للتاريخ المدرسي الذي تعلمناه منذ الصغر فهو يقوم على إطار كرونولوجي في الرؤية أي زمني متعاقب، وهذه أول الإشكاليات فيه التي تعطله عن ما يعرف بالرؤية الأوسع مدى أي الرؤيا vision وهي مدار واسع يجمع المتشكلات التي تبدو متباعدة ومتنافرة في الأشياء، بحيث يكون لنا مجال جديد للعمل والاشتغال المعرفي، هذا النوع من المعرفة لم يتشكل عندنا بعد. فالدراسات في بلداننا لا زالت كلاسيكية تقوم على أطر التاريخ الخطي أيضا وهذا الإشكال الثاني، ذلك الذي يقوم على أنساق السلطة وتراتبيات الحكم وهو يدرس بطريقة تقليدية، لا ينفذ إلى المفاهيم الأكثر حداثة لتحليل نسق السلطة ودورها، والإشكاليات المتعلقة بها.

كما أشرت سابقا فإن التاريخ ليس مجرد نمط أو موضوع واحد، لهذا عليه أن يذهب لمناطق جديدة كأن يدرس التاريخ الثقافي أو الاقتصادي أو يدرس وحدات محددة كتاريخ الأزياء أو الطعام أو حتى تاريخ تقليم الأظافر. يبدو ذلك ترفا لكنه يساعدنا بشكل كبير في أن نفهم ذاتنا بشكل أفضل، ما يعمل على توسيع دائرة الرؤيا.

أما بخصوص السرديات السودانية التي لم تقترب لتكون "كبرى" إلى الآن فهي تضع نفسها في الاختبار إما أن تصمد أو تفشل، بالنسبة لمروي وكوش، فهي تيار برز حديثا ويحاول أن يرد الاعتبار للثقافة أو "الحضارة" السودانية العميقة والمتجذرة مقابل الثقافة الإسلامية والعربية، وهو تيار يعتني بالمكان في شمال ووسط السودان مقابل البحث عن هويات مختلفة داخل المكان السوداني في مناطقه العديدة شرقا وغربا، وجنوبا، بمعنى أنه لا يزال يمثل تيار المركزية - "الافتراضية" - التقليدية في البحث عن الذات، باستبدال فكرة الاسلاموعربية التي أخذت بها الفترة السابقة في حكم الإسلامويين، بالنوبية أو الكوشية أو سمها ما شئت كفضاء متخيل يمكن الاستناد عليه لبناء المستقبل. وهذا الفضاء له إشكال أنه يتنازع مع المركزية المصرية في الشمال، وهو موضوع آخر يطول الجدل حوله، كما حدث سابقا من إشكال لا يزال قائما، في محاولة تأسيس الثقافة الإسلاموعربية بمحاولة وضع جذور عميقة لها في السودان بأن العرب كانوا هنا قبل الإسلام مثلا أو أن الإسلام وصل السودان في هجرات مبكرة قبل حملات الشمال "البقط" أو أن الهجرة الأولى كانت للحبشة ومقصود بها أرض السودان الحالية، كل ذلك يظل احتمالات مفتوحة لمحاولة صناعة متخيل للذات يضعها في تصور معين تعرف به أو من خلاله هيئتها، بما يمكنها من صناعة سردية تقودها لصناعة المستقبل. لكن هذه السرديات فشلت أو عجزت عن صناعة الوحدة أو التماسك المنشود، وسردية كوش هي الأخرى لم تأخذ تماسكها بعد، كما أشرت، ويمكن الاسترسال في هذه القضايا في حوارات أو مقالات أخرى.

تسألني إذن عن التاريخ الحق أو الحقيقي، أقول لك أنه من الصعب القبض عليه، أغلب الأمم الناجحة تزيح التاريخ وتصنع متخيلا يشكّل السردية التي سيكون لها القدرة على أن تقوم بدور الرافعة المستقبلية، هذا ما يجب أن نضعه كقاعدة في فهم التاريخ وصناعة الهويات.

عماد البليك
عماد البليك

2)
هلا طفت بنا في بطون بعض أعمالك الروائية التي جعلت من التاريخ أو المتخيل ضلعًا هامًا فيها؟ وهل يقلقك فهم الآخرين المغلوط لماهية التاريخ؟

اشتغلت في أعمالي الروائية ذات التماس مع التاريخ أو حتى المعاصر، الذي هو أيضا في طريقة ليكون تاريخا، على ما يعرف بابتكار "التاريخ البديل" فأنا لا أوظف الأحداث والوقائع التاريخية لكني أقوم بالتحايل عليها أو أعادة رؤيتها بتصوري الخاص، ما يجعلني أصنع تاريخا جديدا أو بديلا، أي سردية خاصة هي "رواية" في نهاية الأمر، وليست تاريخا تمثيليا كما نعرف، لأني في كتاباتي خارج الرواية أبحث عن فلسفة وجماليات التاريخ داخل مكامن القبح المختزن فيه، وفي كلا الحالتين في النص الروائي وخارجه يبدو لي أن ثمة اتصالا ورؤية واحدة تعبر عن ذاتي المضطربة باتجاه الاكتشاف وتشكيل وعي جديد للذات والتاريخ والعالم..

ففي رواية "الإمام الغجري" حاولت أن أفهم فكرة الإمامة في السودان أو الزعامة الدينية، والعلاقات التي تربطها بالوراثة والعلم والدين الخ.. باعتبار أن السودان يقوم على أرضية واسعة من الوعي القائم على سلطة رجال الدين وشيوخه، كما نلحظ منذ بداية عصر الفونج أو الزمن السناري في 1504 – 1505م بعد أن بدأ ذلك التحالف التاريخي بين مجموعة سودانية وأخرى وافدة، أيضا برزت فكرة الصراعات على السلطة بين رجالات الدين والحكام في سنار، وهو تاريخ غزير ومعقد لم نفهمه إلى اليوم بالشكل السليم، أو المفترض لتشكيل تلك الرافعة المستقبلية. وأنا شخصيا مشغول بفهم هذه الأنساق بطريقة جديدة غير ما تم الاشتغال عليه في المدونات التاريخية السودانية التقليدية، بما في ذلك نظريات محاولة فهم التاريخ السوداني سواء عبر التفسير الاجتماعي أو الدياليكتيك أو عبر نظريات كالهامش والمركز، التي بظني هي أكثر تعقيدا مما تم طرحه وتبسيط الأمور به، لهذا فالرواية توفر فضاء يكون التحرك فيه أكثر حرية في صناعة البدائل أو الاحتمالات الممكنة داخل فضاء ما حدث أو ما لم يحدث في الأساس وهو عالم النص.

مرات أقوم بإسقاط التاريخ على أمكنة غير سودانية، يظن البعض أنني أكتب أو أؤرخ لأماكن أخرى في العالم وأنا في الواقع مشغول بمسألتي وصراعي الثقافي، وهذه هي ميزة الأدب العميقة التي قد لا يراها بعض الناس ممكن تعودوا على القراءات النمطية في الأدب، مرة سألني أديب سوداني مقيم في الدوحة "لماذا تكتب رواية عن العراق؟"، لم يفهم ما كنت أسعى له، وبعد سنوات قدمت لي محامية من دارفور الإجابة التي كنت أبحث عنها، كتبت لي: "لقد رأيت دارفور في رواية عن العراق.. أكثر مما رأيتها في الكتابات السودانية المباشرة!". البعض سيرى ذلك نوعا من الهرطقة أو الكلام المجاني، لكن لي أن أقول بأن نظرية المعرفة والأدب والقراءة صارت أكثر تعقيدا من التصورات الكلاسيكية عندنا التي لم تتخلص إلى الآن من أثر الرواية العربية التقليدية عند نجيب محفوظ ومدرسته التي لا تزال تسيطر على العالم العربي برمته، ويعتبر الخروج عنها نوعا من الخيانة للوصايا أو الجرم، هذا يعني أننا أمام طريق يتطلب المزيد من العمل في هذا الجانب، لنفهم أن الروايات ليست مجرد حكايات مسلية أو مشوقة أو نسيج عن الواقع الاجتماعي والسياسي في بلد معين، هذه نظرة بسيطة وعاجزة، أشفق على أولئك الأدباء الذين يرون في الأدب مجالا لتطبيق التمظهرات الفولكلورية أو أن الأديب كما قلت مرة هو "سفير لبلده" عليه أن يذهب إلى حفل تدشين كتابه ليقول إنني أقدم لك صورة مجتمعي، هذا يحدث لكن ليس بهذا التصور الساذج، نحن في أزمة فعلا‍!

لهذا فأعمالي ترتبط بالسياق النظري الذي أقدمه كما في هذه الحوارات لكي تصبح مفهومة للقراء، وهذا منهج حديث يربط بين التطبيق والتنظير، مارسه عربيا شخص واحد، هو أدونيس الرائد في مشروعه الجمالي والأدبي والإبداعي واشتغاله الرائع على إعادة تفكيك التاريخ الثقافي العربي إلى أن حكم عليه بالموت أو أعدمه في النهاية، ليصل إلى أن عملية التحرير يجب أن تستمر لصناعة عقل جديد. سواه لا يوجد أدباء لهم تلك القدرة على تطويع العوالم وابتكارها، وصناعة السرديات المستقبلية، معظم الأدب السوداني ما يزال مجرد مدونات اجتماعية وسياسية وصدى للواقع، لا يبنى عوالم جديدة، والجمهور المتلقي يستقبل بقدر وعيه الذي هو نتاج تجربة تراكمية لم تكتمل بعد، وهي لا زالت غير متقاطعة مع التثوير لما بعد التحديث في صناعة الإبداع في الكوكب.

بخصوص الفهم المغلوط لماهية التاريخ، فهو جزء من تلك الأزمة التي نتكلم عنها، عدم فهمنا للإبداع، لكيفية الممارسة السياسية، لتصورات الحياة الاجتماعية الفاعلة، لأدوار الإنسان الحديث، لفن صناعة الدولة والمؤسسات، كل ذلك لا يمكن عزله عن فهم التاريخ. لا يقلقني الأمر بقدر ما يجعلني أشعر بالحزن الكبير، أننا عاجزون عن التغيير، بأن نصبح لنا قيمة في هذا العالم، نعيش متشرذمين، أسرى الأوهام والتاريخ، بعدم قدرتنا على صناعة معرفة جديدة لذواتنا وبناء سرديات أو تخييل جديد يقودنا للإشراق أو المستقبل الأفضل.

3)
إنّ كارثة الحرب في سوريا وتشرد ابناء الأمّة العربية والإسلامية في بقاع الأرض المختلفة جعلك تتفاعل معها بعدّة أعمال أدبية، من بينها رواية "ماما ميركل" والتي تحمل اسم المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، ما هي دوافع كتابة هذه الرواية بالأساس وكيف نشأت الفكرة وتبلورت؟

الرواية تشكلت عندي من فلسفة الهجرة عبر التاريخ البشري، وفي الفصل الأول يتكلم الراوي العليم أو الكاتب أو الراوي الافتراضي – سمه بأي شكل كان – عن هذه الفكرة، كيف للهجرة أن تعيد بناء العالم الإنساني وتصوغ قوالب المجتمعات، سواء تمت بشكل جماعي أو أفراد متناثرين أو تمت بغزوات وحروب أو نتاج مجاعات أو جدب أو الخ.. حيث تختلف الأسباب والظروف من سياسية لاقتصادية وغيرهما. فالتاريخ البشري سيبدو إذن محمولا على هذا الإطار الذي تحركت منه لتطبيقه على لحظة معاصرة هي عالم ما بعد ما عرف بالربيع العربي في البلدان العربية، حيث حصلت حالة من الهيجان والتثوير التي ظن العرب انها لحظة عظيمة للتحول وبناء فجر جديد من التحرر، ثم اكتشفوا أن ذلك كان أضغاث أحلام وكوابيس مفزعة لا غير، لكن حقيقة المشكلة أبعد من ذلك بدأت منذ أحداث سبتمبر في الوسط الآسيوي في أفغانستان وهذه المنطقة التي اشتغلت فيها الحرب، كذلك في بلدان أفريقية، كل ذلك النسيج عملت على ربطه عبر فكرة هذا النص، حيث أن البطل الحقيقي فيه هو الفكرة نفسها، لم أكن مهتما ببناء أبطال مستمرين في الرواية كلها أو قصة لها الشكل الكلاسيكي، وهذا شكّل إرباكا لبعض من قرأوا الرواية باعتبار أنها مجموعة قصص أو متواليات قصصية أو ثمة من قال بالمعنى الواضح أنها "مشتتة"، وهذا إشكال يتعلق بما شرحته سابقا حول أزمة القراءة وما يحيط بها من إشكاليات التخييل الجديد وفهم السرديات والتاريخ الخ، من هذه القضايا التي استفضت فيها.

4)
هل هي فقط لفتة بطولية لما قامت به هذه المستشارة التي جاءت حينها بمقولتها الجبّارة "سوف نقدر على استيعاب كل هذه الحشود" وبقيت هذه المقولة تاريخا في ذاكرتنا الجمعية، أم أنّه شيء من مؤازرة لأولئك الذين تركوا وراءهم الأوطان ورحلوا دون وجهة يعلموها، منهم من بلغ ضالته المنشودة ووصل إلى برّ الأمان ومنهم من قضى نحبه.

أنا لست مهتما بميركل بالدرجة الكبيرة، فهي أداة في محيط تاريخ ثقافي ومعرفي وسياسي ومعين، كان لابد لهذا الفعل أن يتم إنتاجه بشكل ما، جراء المتغير على أرض الواقع الجيوسياسي في البلدان العربية، الذي جاء بتأثيره المباشر على الواقع المتوسطي والأوروبي. ميركل لم تكن إلا ثمة استعارة، ليس في الأمر أي احتفاء ببطولة أو استثناء إذن، وهي داخل العمل الروائي تصبح امرأة أخرى ليست بالضرورة هي، تلك التي نعرفها في الواقع البراني. أي انها تدخل في مفهوم "السردية" الذي يعني إعادة إنتاج الأشخاص بتصورات متعددة تجعلهم يبدون بألوان جديدة وأفكار مختلفة، بالتالي فالرواية بقدر ما تتقاطع مع الواقع والتاريخ فهي لا تحكي عنه أو توثقه، فهي ليست عملا وثائقيا أو فيلما وثائقيا كما تفعل القنوات الفضائية عندما تنتج لك فيلما عن الهجرة عبر المتوسط، حيث يتم تسطيح الأمور بشكل كبير، فالناس نعم تحتاج إلى القصة أو الحكاية لكنها لا ترغب في أن تخبرها بما تعرفه، هي تريد تصورك أنت، مقالك ومفادك الجديد، الذي لن ينتج إلا عبر وعيك الذاتي، أيضا فلسفتك الخاصة باتجاه الواقع المعين.

فيما يتعلق بموضوع المؤازرة، ممكن للأديب أو الفنان أن يمارس دور السياسي وأن يصدرا بيانا يمهره بتوقيعه بأنه يتضامن مع الفعل الفلاني أو الشخص المعين، لكن هذا لن يجعله فنانا، ما يصنعه منه فنانا أو أديبا أن يعرف كيف يصنع فنه، هنا التحدي الأساسي، واليوم لدينا مشكلة "عويصة" في الخلط بين الاثنين، إذ أن بعض الكتّاب والأدباء والفنانين يأخذون دورهم ليس من خلال منتجهم الإبداعي أو تصوراتهم الجمالية الافتراضية للعالم، يعني كتبهم، بل من خلال البيانات المدبجة التي يصدرونها للتماس مع الواقع السياسي والاقتصادي البراني، هم هنا يسقطون عن الدور، ويصبحون ذيلا للتسلط ليس إلا، ويهينون مهمة الأدب في كونه فضاء أو حقل لذاته، إذا أردت أن تكون سياسيا فلتذهب إلى البرلمان وتقول رأيك - هذا إذا كان لك برلمان من الأساس!

إذن فالمؤازرة هي شيء صميمي، ينبغي أن يكون مزروعا في الأساس بجوهر الفنان وقلبه، إذا لم يكن لديه هذا الحس أو هذه الخاصية، فهو يسقط من البداية، كما لا يحتاج - كما أوضحت - أن يصرخ خارج النص، بما يجب أن يقوله داخله، من يقرأ العمل سوف يفهم إلى أي حد كنت إنسانيا أنت وموضوعيا أم لا، دون أن يكون لك أي دور "احتيالي" آخر يحوّل خطابك إلى أداء تهريجي.

5)
ماذا تعني لك كلمة أدب بمفهومها الواسع والضيق على حدا سواء؟ وهل نعطي الأدب حقّه في سلمنا التعليمي ودور العلم؟ وماذا يعني أن ندرس الأدب للأطفال وهي لك نظرية أو تجربة أو رؤى في الشأن؟

الأدب ببساطة هو قدرتنا على تهذيب هذا العالم الذي تعشعش فيه الفوضى والهرطقات وأشكال الجنون المختلفة، وهو ما يرد إلى المعنى التقليدي للكلمة، أي أن نعيد الذات والمجتمع إلى محاسن الأخلاق وحميد العادات، بأن نخلق نوعا من الألفة والنظام، وهذا هو عمق وجوهر السلوك الحضاري، وهو لا ينفصل عن المفهوم الكلي للثقافة التي تعنى بالتهذيب الشامل للوعي وأنساق الحياة كما يظهر في أصل الكلمة "ثقّف الشيء" أي هذّبه، وأقام المعوج منه، كما تشير الكلمة في المعاجم الكلاسيكية للغة العربية إلى أن المثقف هو إنسان حاذق وفطن. وهو بتقديري ذلك الإنسان الكامل الذي نبحث عنه.

فالأدب هو جزء من حقول الثقافة كالفنون الأخرى البصرية والتشكيلية كذلك المجالات الإنسانية كعلوم النفس والاجتماع وغيرها من صور المعرفة البشرية. ويشمل النصوص الشعرية والقصصية والخواطر والروايات والمقالات الأدبية والدراسات النقدية الخ...، بمعنى أوسع يشتغل الأدب على حقل اللغة وتطويرها إبداعيا وجماليا بحيث تساهم في بناء الواقع الإنساني المتجدد، وبهذا فالأدب يعتبر حقلا "خطيرا" طالما كان مرتبطا بنسق اللغة، لأنها كما مدرك هي مكان التخييل والوعي الذي يصنع العالم وتحولاته، ولم يبدأ الإنسان حضاريا إلا في اللحظة التي عرف اللغة "الأسماء" – بالمنظور القرآني – واللحظة الثانية هي "الكتابة" ما يمكن تسميه بلحظة "نون" (القلم) ، أي التدوين الذي كان من أهم الاختراعات أو الاكتشافات البشرية بعد النار.

في مدارسنا وفي السلم التعليمي الأساسي والمتمرحل إلى الجامعات يتم تدريس الأدب بمنظور ناقص وبدائي، وهذا ناتج من طبيعة معرفة هؤلاء الذين قدموا هذه المناهج، هل لك أن تتخيل أن قصيدة النثر مثلا لا يتم تدريسها، والأهم أنه لا يوجد عقل يقوم على الرؤية الشاملة التي تضع الطلبة أمام بناء المناهج والتفكير النقدي الذي يمكن أن يتم تشييده من خلال تعلم الأدب، فالموجود أمامنا هو صب قوالب شكلية، تعنى بالزخرفة اللفظية والقولية، كما في منهج البلاغة العربية الذي ينسب لعلي الجارم وآخرين، فهو عقيم وقديم لا يزال يشتغل على فضاءات التورية والطباق وهذه الأساليب التقليدية لفهم البلاغة أو بناء التخييل بمعنى أوسع، وهنا أشير إلى ما كان قد ذهب إليه الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي قبل أكثر من مائة سنة في دراسة قدمها حول الخيال الشعري عند العرب ووصل إلى خلاصة تقول بضعف هذا الخيال، ما أثار وقتها ضجيجا وغضبا، لكني اتفق مع الشابي وكنت قد قدمت ذلك في دراسة مطولة نشرت بمجلة "مشارف مقدسية" قبل عدة سنوات، فالقضية تتعلق بأزمة الخيال الذي يشكل الأدب الفضاء المركزي له، فمن خلال الآداب والفنون ورقيها يكون للإبداع أن ينمو، إذ أنه من المعروف حتى الاختراعات الكبيرة كان لها ذكر بشكل أو بآخر في المدونات الأدبية قبل أن تصبح واقعا، ففكرة مثل بساط الريح في "ألف ليلة وليلة" كانت قد أسست ذهنيا للطيران، وفي السينما وفي أفلام الكارتون وغيرها والرواية من قبل، تم بناء متخيلات أصبحت واقعا كالوصول إلى القمر، وما زال الأدب يبشر بثورة في المجالات الإنسانية المختلفة، حتى علوم النفس والاجتماع تطورت في الواقع في أوروبا وغربا، من خلال الاشتغال على فنون الرواية والسرد، حيث أن تحليل الشخصية مثلا ساهم في تطور علم النفس، وساهمت الرواية في تطوير علوم الاجتماع بدرجة كبيرة.
بشأن تدريس الأدب للأطفال فهو مهم، لكن يجب الانتباه إلى اختلاف الأدوات من عصر لآخر، فطفل اليوم ميّال للتقنية والجوال واليوتيوب، وهذه الوسائط الأكثر حداثة، وهي امتداد لوسائط قديمة، يمكن أن تلعب دورا لا يقل عن الكتاب إذا ما عرفنا كيف نستغلها بشكل صحيح، لكن ما يجب أن نقف عنده بدقة وحذر، أن التعليم للأطفال عن طريق الأدب والفنون الإبداعية والقصص والسينما والأفلام، ليس بالأمر الهين، فالكتابة للأطفال مثلا هي أصعب من الكتابة للكبار، فهم كائنات لطيفة أكثر قدرة على التمويه والخداع في أن نفهمهم بالقدر الكافي، أيضا طبيعة العصر والحياة يجب أن توضع في الاعتبار، لهذا فتدريس الأدب لهم بالشكل الكلاسيكي لا يزال قائما لكنه يتطلب منا مزيدا من التدبر للخروج بنتائج مرضية تقود لتمثلات واقعية مفيدة.

6)
تعتبر دراسة الفلسفة في الدول الغربية التي عشت بها كفرنسا وألمانيا هامة للغاية ونجدهم يحتفون بها أيما احتفاء؟ لماذا يتناسى عالمنا العربي هذه المادة رغم أن العرب كان لهم الفضل في حفظ ما اندثر من الأغريقيّ منها بل وتطويرها، حيث أدخلوها في ذاك الزمان في العديد من مجالات العلم. لماذا تنحصر اهتماماتنا في السلم التعليمي بالحفظ والتكرار ونتناسى المنطق والفلسفة وما هي النتيجة التي أمامنا الآن؟

سؤال الفلسفة لا يمكن عزله عن مجمل الأسئلة المتعلقة بقضية التخلف عن ركب الحضارة الإنسانية، إذ توقف العقل في مجتمعاتنا عن التخيل وإنتاج تصورات ومفاهيم جديدة للعيش وفهم الحياة بشكل عام، وهذا هو ما تشتغل عليه الفلسفة في الأساس. فكل حل لمشكلة معينة يبدأ بمحاولة فهمها ومن ثم وضع التصورات المختلفة لإمكانية حلها وهذا يتم في الأطر الفلسفية، حتى لو كانت المشكلة ذات طبيعة تطبيقية أو علمية عالية. لقد نهضت الفلسفة عبر تاريخها ليس بالعلوم الإنسانية فحسب، بل العلوم التطبيقية في البدء، كما حدث في عصور التنوير الأوروبي وما بعدها، فالتطور الذي حدث في العلوم عامة، والفيزياء والكيمياء وعلم الطبيعة كل ذلك كان أساسه فلسفيا، لا يمكن أن نتخيل توصل نيوتن لنظرية الجاذبية أو القواعد الثلاثة للحركة، لو لم يكن له عقل فلسفي، هذا ينطبق على داروين وماركس وفرويد وآينشتاين وستيفن هوكينغ وكل العظماء الذين ساهموا في بناء التاريخ الإنساني الحديث، حتى السياسي يجب أن له يكون قدرا معقولا بالمعرفة الفلسفية، لكي يقدر على بناء تصورات نظرية لها القدرة على التماهي مع الأزمات في المجتمع المعين والتغلغل في بنيتها العميقة ومن ثم حلها.

ما يحدث أنه لا يتم تناسي الفلسفة؛ لأن التناسي يعني فعل إرادي، وما يحدث هو العكس ينمّ عن فعل "جاهل"، فالفلسفة لم تدخل في صميم العقل أو النسق الفكري، وحتى عندما تستخدم بطريقة معينة لدى طبقات متنورة يتم توظيفها بطريقة استعراضية وليست لابتكار حلول للواقع أو أداء فاعل، لم أرى فيلسوفا عربيا – إن وجد – يصنع مفاهيما جديدة ليعيد تعريف الواقع بها، نحن نعيش على أنساق معرفية مستوردة، أنظر مثلا لجلّ نظريات الأدب وفلسفته والتاريخ، تجد أنها صنعت في الغرب، ومن ثم وصلتنا ليتم التعرف عليها بطريقة مبتسرة وتوظيفها بشكل ناقص أو "مضحك" أحيانا، حدث ذلك مع البنيوية وما بعدها، ومع نظريات كـ "التاريخ البديل" أو أفكار ما بعد الحداثة التي يتحدث عنها الآن مثقفون عرب بنوع من الاندهاش دون أن يقتربوا من جوهرها في الأساس.

غياب العقل الفلسفي إذن ينعكس على بناء الأجيال وقدرتها على التفكير النقدي، هذا بالأخذ في الاعتبار أن النقد عملية كبيرة وشاسعة، يشمل حقول النقد الاجتماعي والسياسي ونقد التاريخ وكافة الأنساق الثقافية في المجتمع. هذا التصور الناقد الذي يفكك ويبني من جديد أو يحذف تماما ليضع تصورات غير مسبوقة، لا يمكن أن يكون موجودا في غياب الفلسفة. يبقى أن التعليم هو جوهرٌ في هذه الأزمة، لأنه كما قلت أنت "ينحصر في الحفظ والتكرار ويتناسى المنطق والفلسفة"، بالفعل فالنتيجة جلية لا تحتاج لشرح. تبقى المفارقة متعلقة بهذا العقل الذي لم يعيش خارج لحظته التاريخية، ولا يعرف كيف يقترب من أزمته أو يعترف بها في البدء.

*نقلا عن المدائن بوست

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.