.
.
.
.

البشير إلى المحكمة الدولية ما هي الرسالة؟

محمد الرميحي

نشر في: آخر تحديث:

يبدوأن الأمر استقر لدى القيادة السودانية على تسليم الرئيس السابق عمر البشير وعدد من معاونيه الى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي من أجل محاكمته بتهمة ارتكاب الإبادة الجماعية، وهي تهمة ثقيلة وربما تحتاج الى سنوات من التقاضي. دوافع القيادة السودانية عديدة، منها عدم تورطها في محاكمة محلية قد لا ترضي مخرجاتها أطرافاً سودانية فيبدأ الخلاف وثم الشقاق وربما الاقتتال من جديد، فهي بذلك تبعد ذلك الاحتمال، وثانياً التعامل مع المجتمع الدولي كما يتوقع، بخاصة أن السودان يحتاج الى الكثير من حسن النوايا والمساعدات من العالم. آخر لقاء قام به البشير مع قيادة عربية كان مع الرئيس بشار الأسد، منتصف كانون الاول (ديسمبر) 2017 بعد أيام قليلة من اندلاع الاحتجاجات الشعبية في شوارع السودان والتي أفضت الى تغيير النظام، وقد أثار وقتها سخط المعارضة السورية وكذلك السودانية. كان يبحث عن حليف في مخيم (المقاومة) من أجل أن تمده إيران بالعون، وهي من المفروض تشترك معه في أيديولوجية الحكم بهوامش واسعة، إلا أنه لم يكن باستطاعتها ذلك، كان حمل البشير السياسي والاقتصادي ثقيلاً حتى على من يريد المساعدة.

حكم البشير وحزبه (الإنقاذ) ثلاثين عاماً حصد فيها السودان المر، فقد دخل في حرب مع الجنوب حتى العظم، ثم رضخ بعد استهلاك الموارد للتقسيم، وكان الجنوب قد أعطي الكثير من الوقود المعنوي والسياسي منذ أن أصدر الرئيس جعفر النُميري قوانين 1983 التي أعلن فيها تطبيق الشريعة الإسلامية وكونه (إمام المسلمين) والتي كانت فراراً من واقع اليم زينه له العراب حسن الترابي، من وقتها بدأ الشقاق الشمالي الجنوبي ولكنه زاد بعد ما سمي بثورة الإنقاذ 1989 والتي هي انقلاب يسبق انقلاب كما قال البشير في أحاديثه الى رهطه، والتي كان من المفروض أن تكون سرية، ولكن أشرطة الاجتماعات حصلت عليها محطة "العربية" التلفزيونية واذاعتها متسلسلة.

وكما قال البشير إنه استبق عام 1989 انقلاباً آخر على الحكم الديموقراطي السوداني وقتها، لأن هناك مجموعة من الضباط البعثيين السودانيين كانوا ينوون الانقلاب فسبقناهم، ثم قال بفخر في تلك الأشرطة انهم اعدموا! ولم تعرف مقابرهم إلا بعد الثورة الشعبية الأخيرة التي انتصرت في نيسان (أبريل) 2019 بعد تضحيات كبيرة.

نقل عن قادة الجنوب تهكماً انه لولا الحياء لأقيم تمثال في جوبا العاصمة الجنوبية لرجال الإنقاذ على مساهمتهم الجليلة في الدفع بأبناء الجنوب لمقاومتهم جراء تصرفاتهم الخرقاء. أزمة إقليم دارفور السوداني وهو نقطة تماس بما يعرف بالحزام الفرانكفوني (الدول الأفريقية التي كانت تحكمها فرنسا) غني بالمواد الخام وبخاصة النفط فقامت بين قبائله صراعات دموية كانت حكومة البشير طرفاً فيها، ولما طال النزاع قبلت حكومة البشير بنشر قوات دولية لحفظ الأمن بعد أن ارتكبت مجازر في حق أبناء الإقليم، وها هو اليوم الذي يطالب فيه بتسليم البشير للمحاكمة الدولية بسبب تلك الأفعال.

اذا تم تسليم البشير الى محكمة العدل الدولية، فهو أول رئيس عربي سابق يخضع لهذا الإجراء، وهنا أهمية التسليم. معنى ذلك أن السودان يصبح سابقة قد تحتذى، أو يتوقع المجتمع الدولي أن تحتذى لتسليم كل من قام بإبادة جماعية لشعبه الى المحكمة. صحيح أن هناك سابقة دولية بإقامة محكمة دولية للنظر في مقتل رفيق الحريري، إلا أن تلك المحكمة كانت خاصة، أما المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست عام 2002 فهي أول محكمة دولية مؤسسية من أجل النظر (بمحاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب) بحسب قانون روما الذي أنشأها. ليس هناك قلة ممن تقع عليهم شبهة (ارتكاب جرائم ضد الإنسانية) في منطقتنا، إلا أن قانون المحكمة وضع شروطاً صعبة لقيامها بعملها، وهي شروط ربما فرضها الحرص على أن لا يسلم أي متهم من دون أن تكتمل إجراءات التدقيق في أعماله في بلده الأصلي، ويبدو أن القيادة السودانية فعلت ذلك.

تداعيات مثول البشير والمجموعة المصاحبة له ستكون كبيرة على المنطقة. سوف يجري سباق لإخفاء الأدلة وتغييب الشهود من قبل أولئك الذين ولغوا في دماء شعوبهم في العقود القليلة السابقة في الساحة العربية، وقد يتحرز بعضهم أكثر، الآن الحقائق التي قد تظهر في سير المحاكمة قد تُظهر الكثير من المعلومات في من عاون وساعد على ارتكاب جرائم دارفور، وربما أخرى، بل قد يتطرق النقاش في قاعة المحكمة الى النظر على أي قاعدة أيديولوجية تم ارتكاب تلك المجازر، لأن نظام البشير لم يكن فقط نظاماً عسكرياً، بل الى جانب ذلك كان نظاماً ايديولوجياً، ارتكبت بعض الأفعال الشائنة في حق الآخرين تحت شعاراته.

* نقلا عن " النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.