.
.
.
.

يوم مشهود!

كرم جبر

نشر في: آخر تحديث:

أتذكر جيداً جملة قالها جنرال أمريكى، كان فى طريقه إلى أفغانستان «سوف نجعل منها نرويج صغيرة».
وأتذكر كونداليزا رايس وهى تقول: « سيصبح العراق جنة الديمقراطية التى تهب نسائمها على المنطقة».. وفى نهاية المطاف لم تتحقق النرويج ولا الجنة.
الذى شاهدناه ومزق قلوبنا، شعب يفر إلى المطار، تاركاً بيته ومتاعه وأهله وكل ما يملك، فقط بالملابس التى يرتديها، ليلحق بمكان على طائرة عسكرية تنقله إلى المجهول.
والذى سمعناه هو الرئيس الأمريكى بايدن لا يبدى أسفاً ولا ندماً، وإنما يقول إن بلاده لم تذهب إلى أفغانستان لبناء دولة، ولا من أجل الشعب الأفغانى وإنما فقط لمنع الإرهابيين الذين قاموا بأحداث 11 سبتمبر من أن يهددوا أمريكا مرة أخرى.
عشرون عاماً وأمريكا تجتاح العالم بحثاً عما تسميه الشيطان الأكبر، فدمرت العراق وزرعت داعش والإرهاب الدموى فى الشرق الأوسط، فهل قضت أمريكا فعلاً على الإرهاب، أم مهدت كل الطرق لعودة الإرهاب؟
الذى شاهدناه هو طائرات حربية، يجرى وراءها عشرات الآلاف فى مشهد لم يحدث فى التاريخ، مثل سفن العبيد فى القرون الوسطى، بشر يبحثون عن الحياة حتى لو كانت بالموت، المهم أن يتركوا بلدهم إلى أى مكان.
الاحتلال لا يصنع دولاً ولا يأتى بديمقراطية أو حقوق إنسان وغيرها من مفردات تزييف الواقع.
فأمريكا التى سلحت 300 ألف جندى أفغانى، لم يصمدوا لحظة واحدة أمام 80 ألفا من طالبان، ولم تستطع حمايتهم ولا تحقيق أى شيء من الوعود التى صاحبت الغزو.
ولا يستطيع أحد أن يرسم بدقة سيناريوهات المستقبل، إلا شيئا واحدا هو خلق بؤرة جديدة للصراع، سوف تصب حمماً مشتعلة على العالم، ولن تكون أمريكا بمنأى عن الخطر.
نتذكر جيداً أن أمريكا هى التى خلقت القاعدة فى أفغانستان، وأضفت حمايتها على قادتها وزعمائها، ليكونوا جيشها فى الحرب ضد النفوذ الشيوعى فى أفغانستان، وبعد انتهاء الحرب انقلب الذئب على حارسه فى 11 سبتمبر، ودخل العالم كله فى دائرة الانتقام.
لا يستطيع أحد ـ بما فى ذلك واشنطن - أن يتكهن ماذا ستفعل طالبان، فى شعبها أولاً ومع الدول المجاورة، وموقفها بالضبط من الجماعات الإرهابية التى تحتمى بها.
ما شاهدناه هو شعب يهرب من الخوف إلى المجهول، ظناً منه أن المجهول أكثر أماناً من الخوف، وأن الغربة والتشريد ومعسكرات اللاجئين فيها فرص للأمن أكثر من الوطن نفسه.

* نقلا عن "أخبار اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.