.
.
.
.

أفغانستان رحلة الرعب التي تحولت إلى حب

نادين خماش

نشر في: آخر تحديث:

لم نكن ندرك حجم السرعة والسهولة المفاجئة التي قلبت الموازين وأربكت السياسيين وحتى مراكز صنع القرار في الدول العظمى أن الظروف ستتبدّل بين ليلة وضحاها.

شهرٌ مضى على حزم فريق العربية أمتعته في رحلة أردناها سريّةً على أهلنا تجنّباً لحجم القلق والخوف الذي قد يكتنفهم إن علموا بالوجهة.

هبطت الطائرة التي أقلّتنا على مدرج مطار حامد كرزاي الدولي في العاصمة كابل، كلّ شيء حينها بدا طبيعيّاً كأي مطار في العالم، رجال أمن يقومون بواجباتهم، سيّدات من بين فريق الأمن العام اللواتي استقبلننا بابتسامة والمئات من الأسر مع أطفالها تزور بلادها في صيفٍ كان لهيبه الأخبار المتسارعة ببدء سيطرة طالبان على عددٍ من المديريات والمقاطعات والقرى في بلد حبيس في آسيا الوسطى يتجاور حدودياً مع ستّ دولٍ شمالاً تركمنستان وأوزبكستان وطاجيكستان جنوباً باكستان وغرباً إيران أما في الشرق الصين، فأفغانستان دولة كبيرة نسبياً فالعاصمة كابل تبعد عن قندهار معقل حركة طالبان سابقاً، حوالي عشر ساعات بالسيارة!

انطلقنا في رحلة العمل نراقب بتوجس ما حولنا في شوارع العاصمة التي كانت مكتظة مليئة بحركة السيارات والمارّة والكثير من الأطفال وكبار السنّ الذين يفترشون الأرصفة بكراتين لا السجّاد الثمين الذي تشتهر به أفغانستان، منهم من فاجأنا بنقر شباك السيارة أثناء الازدحام بحثاً عن معدن أو عملة ورقية تُطعمهم لاحقاً.

لفتنا أن وجوه الأطفال رغم نظراتهم الحادّة ووجوههم المغبرّة من العيش في الشارع إلا أننا نرى جمالاً في لون العيون لا يُشبه غيره من الجنسيات وملامح وجوه لافتة لا متشابهة تماماً كجغرافية البلاد التي تتنوّع فيها العرقيات فكانت هذه صورة الأجيال الجديدة.

الأسواق مليئة بالمواطنين الذين كانوا يتحضرون لاستقبال عيد الأضحى المبارك وقتها بشراء المكسرات والفواكه المجففة بطعمها المختلف والمميّز والتي تزيّن موائد الاستقبال في أي بيت أفغاني من السياسيين والرؤساء وحتى الشعب.

مفارقة المشهد الحياتي اليومي، مدينة يمكن وصفها أنها مسلحّة بامتياز فالأجهزة الأمنية بزي رسمي أو بدونه منتشرة في كل مكان بدون استثناء وفي أي وقت، كثرة الأمن الملحوظ قد تشعر الإنسان بقلّة الأمن أحياناً بأن ثمّة خرقاً قادماً.

الكثير من البوابات الإلكترونية على كافة مداخل المنطقة الخضراء للكشف عن المتفجرات في تلك المنطقة وسط العاصمة التي تأوي سفارات بعض الدول وأبرزها السفارة الأميركية ومنازل الرؤساء والسياسيين إذ لا يُسمح لأي مواطن عادي بالعبور إلا بتصريح من وزارة الداخلية.

صوت المروحيات الأميركية يُسمع بين حين وآخر حين تطير في سماء المدينة كإجراء دوريّ وتعبر من جنب المناطيد البيضاء الكبيرة التي نُصبت في سماء المدينة تراقب تصوّر وتحلل المشهد على الأرض.

ذهبنا بشكل أساسي لعمل سلسلة من اللقاءات مع المسؤولين في فترة كانت الصدمة لم يحن موعدها والمفاوضات الأفغانية تُستأنف في ذلك الحين وسط توقعات بأنها قد تُفضي إلى تسويةٍ ما ولو بتنازلات كل الأطراف السياسية. لم أكن أراها قريبة أن تختلف صورة رئيس مجلس المصالحة الوطنية الأفغانية عبدالله عبدالله الذي استقبلنا بهدوء مرتدياً بدلته الرسمية استعداداً لإجراء أولى المقابلات على قناة العربية أن يُطل علينا بعد أسابيع قليلة في يوم الحرب التي لا غالب فيها ولا مغلوب بالزّي الأفغاني وجهه يحكي غضباً واستنكاراً من الوضع الراهن.

بعدها بأيام قليلة دخلنا ما يمكن تسميته بالحي الأميركي في السفارة الأميركية الذي كان يعجّ بالموظفين فبدا الأمر عادياً وأن لحظة مغادرتهم لن تكون على عجل…

كثيرٌ من الضيوف الذين حلّوا ضيوفاً على العربية ونحن ضيوف في وطنهم أطلوا على الشاشة ضمن تغطيتنا المباشرة والسيدات اللواتي يرافقهنّ أزواجهنّ الداعمين لهنّ في تمكين حقوقهنّ اللواتي اكتسبنها، يأملن بألا تُمحى ويَعُدن إلى صفحة الماضي حيث أردن أصلاً محوها أو استذكارها.

كلّهم متشبث بأرضه وبِحُبّ بلاده ولا أحد أراد مغادرتها قبل شهر حين كانت الحياة في هذا البلد لأي زائر أصلاً غير طبيعية تماماً . فكثرة الأعراس التي لم تهدأ والمفرقعات النارية في السماء التي كانت في لحظاتها الأولى تثير حفيظتنا تدلّ على أن الشعب قابل للحياة والزواج والاستمرارية.

ففريق العربية الوحيد من بين القنوات العربية الذي كان شاهداً على أرض الواقع الأيام والأسابيع الأخيرة لأفغانستان ما قبل اليوم التاريخي الذي سيرسم مرحلة جديدة لخارطة البلاد السياسية والاجتماعية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.