.
.
.
.

سقوط كابول!

د. أحمد يوسف أحمد

نشر في: آخر تحديث:

عندما بدأت التحضير لكتابة هذه المقالة اخترت لها عنوان: «حول تسارع الأحداث في أفغانستان»، وقبل أن أهم بكتابة حرف فيها تواترت الأنباء عن حصار «طالبان» لكابول وتصريحات قادتها بأنهم يريدون دخولها دون قتال. وكانت بعض التصريحات الأفغانية والأميركية التي تحدثت عن «سرعة» التطورات قد أدهشتني، كما هو تبرير الرئيس الأفغاني للتقدم السريع لـ«طالبان» بسرعة انسحاب القوات الأميركية وحلفائها، وتصريح المتحدث باسم البيت الأبيض بأن سيطرة «طالبان» على أفغانستان ستحدث على نحو أسرع مما كانت واشنطن تتوقعه. والواقع أن كلا التصريحين أدهشاني، فعن أي انسحاب سريع للقوات الأميركية وحلفائها يتحدث الرئيس الأفغاني؟ فقد كان من المقرر أن يكتمل هذا الانسحاب في مايو الماضي بموجب الاتفاقية التي وقعتها إدارة ترامب مع «طالبان» في فبراير2020، ثم أجّله بايدن ليتزامن مع الذكرى العشرين لأحداث سبتمبر2001، وبالتالي فإن أمر الانسحاب محسوم منذ سنة ونصف، وما حدث هو تأجيله وليس الإسراع به، فأين هي المفاجأة؟ أما الأكثر إثارة للدهشة فهو التصريح الأميركي بأن واشنطن لم تكن تتوقع سيطرة «طالبان» على أفغانستان بهذه السرعة، والحقيقة أن المغزى الحقيقي لاتفاقية فبراير2020 هو حسم الصراع في أفغانستان لصالح «طالبان». وبدايةً ما الذي يعنيه أن تختار القوة العظمى في العالم عندما تقرر الانسحاب من أفغانستان أن تتفاوض مع «طالبان» وليس مع الحكومة الأفغانية؟ بل وأن تطلب من «طالبان» تحديداً ضمانات لأمنها؟ أليس معنى هذا أن «طالبان»، وليست الحكومة الشرعية، هي القوة الفاعلة في أفغانستان؟ وتتأكد الإجابة بالإيجاب على هذه الأسئلة من إلقاء نظرة فاحصة على مضمون الاتفاق بين إدارة ترامب و«طالبان»، وهو الاتفاق الذي التزمت به إدارة بايدن، رغم اختلافها مع سياسة ترامب الخارجية في قضايا عديدة.
تُظْهِر قراءة الاتفاق منذ الوهلة الأولى مصير أفغانستان الذي نتابعه الآن لحظة بلحظة، فقد وُقع الاتفاق بين الولايات المتحدة و«إمارة أفغانستان الإسلامية»! صحيح أن المفاوض الأميركي كان حريصاً كلما جاء ذكر هذا المُسَمى على أن تتلوه عبارة «التي لا تعترف بها الولايات المتحدة كدولة»، لكن «طالبان» من جهة أخرى نجحت في فرض اسمها كـ«إمارة إسلامية» وليس كمجرد حركة معارضة في نص الاتفاق، بل إن الاتفاق طالب «طالبان» بألا تعطي أولئك الذين يمثلون تهديداً لأمن الولايات المتحدة وحلفائها تأشيرات أو جوازات أو تصاريح سفر أو أي وثائق أخرى! فمن تراه يعطي هذه الوثائق سوى حكومات الدول؟ أليس معنى هذا استشرافاً أميركياً لمستقبل «طالباني» لأفغانستان؟ أما بالنسبة لجوهر الاتفاق فقد كان في الجانب الأميركي هو الانسحاب الكامل والشامل من الأراضي الأفغانية، وهو مكسب كبير لـ«طالبان» بدليل ما نراه بأعيننا الآن، فماذا كان التزام «طالبان» بالمقابل؟ لم تتجاوز التزاماتها منع استخدام أراضي أفغانستان بواسطة أي مجموعة أو أفراد ضد أمن الولايات المتحدة وحلفائها، بل إن «طالبان» لم تلتزم حتى بوقف إطلاق النار بعد توقيع الاتفاق، وكان كفيلاً بتجميد الموقف ولو مؤقتاً إلى حين اكتمال الحوار والمفاوضات بين الأطراف الأفغانية، وإنما جعل الاتفاقُ وقفَ إطلاق النار بنداً من بنود ذلك الحوار وتلك المفاوضات، أي أنه قد لا يُتفق عليه. ومع أنه المفترض أن تكون نهاية الحوار والمفاوضات مفتوحة فالملاحظ أن «طالبان» حققت نصراً إضافياً في الاتفاق بالإشارة إلى حكومة ما بعد التسوية التي ستأتي نتيجة للحوار والمفاوضات باعتبارها «الحكومة الإسلامية الأفغانية». واقع الحال إذن أن «طالبان» لم تحقق انتصاراتها في هذه الأيام، ولكنها فعلت ذلك على مدار سنوات وحسمته في فبراير2020، وعلى الجميع التأمل في دروس ما جرى.

نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.