.
.
.
.

فخّ اللجوء الأفغاني إلى أوروبا

رندة تقي الدين

نشر في: آخر تحديث:

أربك الانسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان الأوروبيين. وتتوقع القيادات الأوروبية موجة كبيرة من اللجوء الأفغاني اليها هي بغنى عنها. كلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد بدء الانسحاب عن "أن زعزعة استقرار أفغانستان ستؤدي الى خطر موجة نزوح غير منتظمة الى أوروبا، وأن فرنسا ستستمر في القيام بواجبها وستأخذ دورها في الجهود الدولية المنظمة والعادلة في هذا الإطار" يشير الى القلق البالغ الذي اجتاح الاتحاد الأوروبي بعد تسلم "طالبان" الحكم في أفغانستان. وقد أسرع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الى عقد اجتماع في بروكسل صباح الثلثاء، لمناقشة قضية تقاسم اللاجئين وربما الاتفاق على كوتا لهذا اللجوء الذي ما زال حتى الآن محدوداً، كون عساكر "طالبان" يسيطرون على الحدود البرية التي أبقوها مغلقة. فمطار كابول وحده الآن باب الخروج مع فوضى وحشود من الفارين انتشرت صورهم على أجنحة الطائرات العسكرية الأميركية.

إن قضية اللجوء الأفغاني الى أوروبا ستجبر دول الاتحاد على التعاون مع الدول المجاورة لأفغانستان والمعنية بتطوراتها والتفاوض معها حول الموضوع، وخصوصاً إيران وتركيا وباكستان. وخطاب ماكرون أشار الى "اتفاق مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لمكافحة اللجوء غير المنظم، وللتضامن في الجهود وتوحيد معايير الحماية، ووضع تعاون مع دول الممر والاستقبال باكستان وتركيا وإيران". هذا يعني أن الاتحاد الأوروبي سيتفاوض مع هذه الدول لقبولها بإغلاق الخروج من حدودها للاجئين الذين يريدون التوجه الى أوروبا. فخلال الحرب السورية دفع الاتحاد الأوروبي مليارات اليورو لتركيا لكي تبقي اللاجئين السوريين عندها، علماً أن ألمانيا استقبلت عدداً كبيراً منهم وفرنسا عدداً أقل بكثير. أما اليوم، وألمانيا وفرنسا على أبواب انتخابات رئاسية، ألمانيا لخلافة ميركل وفرنسا للرئاسة في السنة المقبلة، فقضية استقبال المزيد من اللاجئين بالغة الصعوبة.

ستجبر دول الاتحاد الأوروبي على التفاوض مع الدول الثلاث للحد من اللجوء. كما أن لدى "طالبان" الآن آلية ضغط كبيرة على الأوروبيين بورقة اللاجئين، واحتمال فتحها حدود أفغانستان للسماح بموجة اللجوء. فلا شك في أن الفخ الأميركي للاتحاد الأوروبي عميق. فخطر انتقال حركات إرهابية الى الدول الأوروبية أكبر منه الى أميركا، لأنها أقرب إليهم وأسهل. وواقع الحال أنه أصبح لإيران قوة ضغط على الغرب، إضافة الى السلاح النووي. فهو سلاح بشري مخرّب على اقتصاد وسياسة ديموقراطيات أوروبية تعتمد على أصوات الناخبين الذين كثيراً ما يرفضون الأجانب في دولهم، خصوصًا المسلمين منهم.

فحتى لو لم يثر الكلام علناً في الوقت الراهن، فاللجوء الأفغاني يعني لجوء مسلمين. وهناك تخوّف مبطن لدى الأوروبيين من هذا الواقع، خصوصاً في فرنسا حيث الجالية المسلمة هي الأكبر في أوروبا، وحيث اليمين المتطرف يلعب على وتر التخلص من الهجرة المسلمة. والاتحاد الأوروبي يواجه الآن معضلة تكمن معالجتها في مستقبل العلاقة مع "طالبان" وإيران وتركيا وباكستان. فالتفاوض مع إيران معقد وصعب، لأنه على نمط البيع والشراء في البازار للحصول على أقصى الربح في التفاوض. بكل الأحوال، سبق لتركيا أن حصلت على مليارات من الاتحاد الأوروبي. يدور الكلام حول احتمال عقد مؤتمر دولي لتنظيم اللجوء الأفغاني، ولكنه ما زال مجرد أفكار، لأن عدداً من الدول الأوروبية يرفض فتح الحدود للجوء منها، كاليونان وهنغاريا وبولندا.

المأزق كبير حالياً لاقتصاد أوروبي لم يخرج بعد من نتائج جائحة الكورونا التي أجبرت الدول الأوروبية على الاقتراض الباهظ الذي سيؤثر في مستقبل اقتصادها. والانسحاب الأميركي من أفغانستان خلق مأزقاً لأوروبا ومثّل هدية لإيران والصين وروسيا، لأنه أظهر ضعف الغرب وهشاشة التحالف مع الإدارة الأميركية.

نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.