.
.
.
.

دموع أحمد مستجير

خالد منتصر

نشر في: آخر تحديث:

فى ذكرى رحيل الصديق الجميل د.أحمد مستجير، الذى غادر دنيانا فى ١٧ أغسطس ٢٠٠٦، هناك زوايا كثيرة ومختلفة لتناول سيرة هذا الرجل العظيم، لكن المساحة تفرض علىّ اليوم أن أتناول الدموع فى حياة هذا العالم الشاعر والإنسان العذب الجميل.

كان اللقاء الأول مع الدموع فى العاشرة من عمره وفى مدرسة المطرية دقهلية، نهر شفيق أفندى مدرس اللغة الإنجليزية صديقه يوسف شطا عندما أخطأ فى إجابة أحد الأسئلة وزجره قائلاً «روح موت»، ومضت ثلاثة أيام ولم يظهر يوسف، وفى اليوم الرابع وصله خبر موته، وأيقن الصبى مستجير أن شفيق أفندى قد قتل صديقه، فبكى بحُرقة وقرر فى الفسحة أن يكتب خطاباً لأحمد ماهر باشا رئيس الوزراء شاكياً هذا القاتل، وفى جنازة صديقه كانت السماء تمطر، وشارك الطفل السماء فى بكائها على يوسف، ليظل د.مستجير طوال عمره على يقينه الثابت بأن الكلمات من الممكن أن تقتل، ولهذا فإنه يحمل للكلمات نفس القدر من الاحترام وأيضاً الخوف.

واللقاء الثانى مع الدموع كان عندما التقى الشاب أحمد مستجير ابن قرية الصلاحات بدكرنس بأطفال العزبة المجاورة لقريته، كان حينها قد عُيّن فى الإصلاح الزراعى بعد تخرجه في الكلية، وفى مشاويره اليومية كان يشاهد الأطفال وهم يجمعون القطن وكان يداعبهم بحب، يشم فى عرقهم عطر الوطن وقسوته أيضاً، نفح أحد هؤلاء الأطفال قرشين، ولم يعرف أن هذين القرشين يمثلان كارثة، فقد علم المفتش بهذه الحادثة وعنّف الشاب مستجير قائلاً «لا يصح أن تعامل الفلاحين هكذا، لا بد أن يخشاك الناس هنا حتى تحفظ هيبتك، لا يجوز أن يحسوا أن لك قلباً رحيماً، ولا أحب أن أسمع أنك كررتها ثانية!!!!»، وبكى الشاب اليافع البرىء وصرخ «يا أيتها الشمس الغاربة، لماذا تكون الحياة هكذا؟، أيستكثرون أن يحظى منا فلاح ببسمة؟!، أو بكلمة حلوة، يكرهون أن يربّت إنسان على كتف إنسان، يريدون أن يقتلوا فينا الطيبة والحب»، وتساءل «من نحن سوى الآخرين، بدونهم لسنا بشراً، لا يصح أن نكون، أمن أجل خمسة عشر جنيهاً يقتلون فىّ الإنسان؟». وقرر الشاب أن يهجر هذا العمل وأن يدوس على تلك الجنيهات الملوثة بآهات هؤلاء البسطاء وأن يشترى نقاء روحه، وعرف كما قال فى إحدى مقالاته أن «الإنسانية قبل العلم وقبل الشعر».

وبعد أن حزم حقائبه إلى أدنبرة فى أواخر سبتمبر 1960 لاستكمال دراسته فى معهد الوراثة، كان هناك موعد آخر مع الدموع، ولكنها هذه المرة دموع الفرح عندما حصل على الدكتوراه فى 14 نوفمبر 1963، ورغم أنه قبلها حصل على الدبلومة بشهادة الامتياز لأول مرة فى تاريخ المعهد، وحصل أيضاً على ثقة أستاذه آلان روبرتسون، ولكن طعم العناد ورائحة التعب التى انبعثت من حبر الرسالة التى لم يصوب فيها المشرف إلا ثمانى كلمات فقط، كل هذا جعل الفرح مغموساً فى ملح الدمع والشجن، ولكن الدموع كانت أقوى وأغزر حين عاد بعدها إلى أدنبرة بحوالى ربع قرن مع زوجته وقاما بزيارة منزل أستاذه، وعرف من زوجة أستاذه قصة موته الميلودرامية حين كان يلقى بمحاضرته وفجأة صمت وصرخ فى الحضور من أنتم؟ وأين أنا؟، وانقلب طفلاً صغيراً يتصرف برعونة الصغار وحمقهم، إنه أصيب بمرض وراثى خطير، بكى أمام زوجة أستاذه وصرخ مردداً كلمات قصيدة فاروق شوشة: «كم أنت قاسٍ أيها الموت، كم أنت قاسٍ أيها الموت»، ومن يومها قرر أن تكون أهم سطور رسالة حياته هى دراسة الأمراض الوراثية للإنسان.

نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.