.
.
.
.

مستقبل أفغانستان وحسابات القوى الكبرى

طارق فهمي

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن تطور العلاقات الروسية- الصينية في مستواها العسكري من جانب، وحسابات بقية الدول مثل باكستان وإيران وتركيا من جانب آخر، وبعد سيطرة حركة «طالبان» على كابول، يكشف توجهاً يتجاوز النمط التقليدي المعتاد في التعاون بين الأطراف المختلفة. الصين وروسيا سعتا تحديداً إلى تطوير آليات التعاون من أجل الدخول في مرحلة رحبة، سواء في مجال التدريب، وأيضاً في مواجهة ضغوط يحاول الغرب فرضها على الجانبين.

وتتطلب سرعة التفاعل، وهو ما برز بالفعل في تطوير «تدريبات سيبو2021» قبل سقوط كابول، والتي حملت بالفعل رسائل من قبل الطرفين للإدارة الأميركية، خاصة وأنها ولأول مرة تشمل تدريب العسكريين الروس على استخدام وسائل تقنية صينية جديدة، ما سيؤثر بالفعل على ما يجري في منظومة العلاقات العسكرية.

وبعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وهو ما يؤكد عليه أن الجانبين الروسي والصيني يرتبان للخطوة التالية، وفي ظل كل الخيارات المحتملة بعد عودة سيطرة «طالبان» على الحكم في أفغانستان، وهو ما يتطلب خطوات استباقية حقيقية تخوفاً مما هو قادم ويمس أمن دول الجوار، والتي لها حساباتها الضيقة.

اللافت أن المخطط الروسي- الصيني يتجه لتشكيل قيادة عسكرية مشتركة في مواجهة خطر محتمل، وهو ما أبرزته المناورات الأخيرة، وفي إشارة محكمة لإمكانية قيام القوات الروسية والصينية بالعمل معاً في مواجهة أي مخاطر واردة إضافة إلى التوقع بمواجهة محتملة مع عناصر إرهابية يمكن أن تتسلل إلى داخل البلدين، مع التأكيد أن حجم ما يجري في نطاق التعاون الصيني الروسي لن يقتصر على مسرح عمليات واحد، بل قد يتمدد إلى مسارح عمليات أكبر، وأكثر أهمية خاصة أن مسؤولية ما يحدث في أفغانستان تبقى مسؤولية «مجموعة شنغهاي» بالأساس، وليس دولة أو دولتين فقط.

روسيا والصين تتطلعان إلى مواجهة أكبر مع الغرب، ومع الولايات المتحدة تحديداً، خاصة مع احتمال أن يقدم البلدان على توقيع اتفاق عسكري، مما سيغير كثيراً من قواعد النظام العسكري الدولي الراهن حال إتمام مثل هذا التحالف غير المسبوق، والذي ربما ينقل المواجهات الروسية -الأميركية- الصينية لمساحة أخرى من التوافقات، ويغير من رؤية الولايات المتحدة للخطر القريب والبعيد، بل وسيؤدي لحسابات غير تقليدية حال المضي قدماً في تكريس الشراكة العسكرية في مواجهة الخطر الغربي عموماً، والأميركي على وجه الخصوص، الأمر الذي سيؤدي لتداعيات خطيرة على المصالح الأميركية ليس في منطقة آسيا بل، وفي أوروبا وسيؤدي لتبعات في مهام حلف «الناتو»، الذي يبدأ مرحلة جديدة في تنفيذ بعض المهام مع إدارة الرئيس جو بايدن، وهو الأمر الذي سيكون له آثار خطيرة ليس على الأمن الأوروبي، بل والأميركي، وبدليل أن روسيا تتحرك على مسارات متعددة، ولم تكتف فقط بالتنسيق مع الصين بل، وقامت مؤخراً بمناورات كبرى في مناطق التماس، وبالقرب من الحدود الأفغانية مع قوات أوزبكية وطاجيكية.

وتستعد روسيا أيضاً لإجراء مناورات يشارك فيها الجانب الصيني والروسي إلى جانب بيلاروسيا وإسرائيل ومنغوليا وصربيا وطاجيكستان وأوزبكستان، تليها مناورات لقوات دول «منظمة شنغهاي للتعاون»، كما سيجري الجانب الروسي مناورات مع بيلا روسيا بالقرب من الحدود الأوروبية في رسالة لها مغزاها بأن موسكو ترتب لكل الاحتمالات الواردة على أمنها، ولن تتراجع أمام ما يجري في ظل حسابات أميركية واضحة بدأت بإجراء مناورات بحرية بمشاركة كل من بريطانيا وأستراليا واليابان، على أن تليها مناورات أخرى ستجري مع الهند في منطقة خليج البنغال، الأمر الذي يشير إلى أن هناك حسابات متضاربة لكل الأطراف الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين وروسيا بل والقوى الإقليمية الأخرى، ولن تلتقي أبداً هذه الأطراف في نقطة محددة.

نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.