.
.
.
.

«الكاسيت» الإسلامي وتاريخه

علي العميم

نشر في: آخر تحديث:

قدّم زين العابدين الركابي في بحثه «النظرية الإسلامية في الإعلام العلاقات الإنسانية» اثني عشر مقترحاً للقاء الثالث للندوة العالمية للشباب الإسلامي المعقود في الرياض في 16 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1976، ليقوم هذا اللقاء بتبنيها.
ونستطيع أن نقول، إنه بعد مضي سنوات على إلقائه هذه المحاضرة، أن جلّ مقترحاته أنفذها الإسلاميون على أرض الواقع بواسطة شبكاتهم وأذرعهم المتعددة، والتي منها الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
استوقفني في مقترحاته الاثني عشر مقترحُه الثامن الذي رأى فيه «استخدام الكاسيت في تبليغ الدعوة».
فهو في هذه المقترح دعا إلى استخدام الكاسيت في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام بلغات مختلفة.
استوقفني في هذا المقترح أنه حبل فيما بعد بمفارقتين:
الأولى، هي أن الكاسيت استخدم في غرض معاكس، وهو دعوة المسلمين – لا غير المسلمين – إلى الإسلام.
الأخرى، هو أن موضوعاً من الموضوعات التي حددها لتكون مدار الكاسيت المستخدم في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وهو تأليف «قصة إنسان يبحث عن الحق بعد أن أعنته الضلال: تفاصيل حياة الخمر والزنا والاستهتار وعدم الإنتاج والإساءة إلى الزوج والوالدين»، صار موضوعاً من موضوعات الكاسيت الإسلامي بعد بضع سنين من نشأة التسجيلات الإسلامية في السعودية، وهو تأليف قصص التائبين.
في الوقت الذي ألقى زين العابدين محاضرته في ذلك اللقاء لم يكن الكاسيت الإسلامي نشأ بعد في السعودية، لكنه كان يعرفه من كثب. فهو يعمل مدير تحرير مجلة «المجتمع» الإسلامية في الكويت منذ أوائل السبعينات. والكويت بتياريها الإخواني والسلفي عرفت الكاسيت الإسلامي منذ ذلك التاريخ. وقد شهد الكاسيت الإسلامي في منتصف السبعينات الميلادية ازدهاراً فيها.
نشرت جريدة «القبس» الكويتية بتاريخ 22 أغسطس (آب) 1977 خبراً موسعاً عن المعرض الثالث للكتاب الإسلامي الذي تقيمه جمعية الإصلاح الاجتماعي في قاعة المحاضرات بمبنى الجمعية. كان أحد عناوين هذا الخبر هذه الجملة «جديد المعرض: مكتبة خاصة للتسجيلات الإسلامية». وفي تفصيله قالت الجريدة «في المعرض الثالث للكتاب الإسلامي دور نشر جديدة تقدم الثقافة بأسلوب جديد غير الكتاب، فقد اهتمت إحدى الدور الجديدة، وهي مؤسسة (اللجين) بتقديم التسجيلات الإسلامية».
ونشرت مجلة «المجتمع» الصادرة عن الجمعية ذاتها التي أقامت المعرض، بتاريخ 30 أغسطس 1977، تغطية صحافية ضافية عن هذا المعرض تحت عنوان «نجاح معرض الكتاب الإسلامي الثالث»، سأنقل لكم منها ما سمّته جريدة «القبس» «جديد المعرض»، «وحيث إن المعرض في هذه السنة يشهد تجديداً في نوعية المكتبات؛ إذ إن هناك مكتبة تسمى (اللجين)، فأحببنا أن يكون لنا لقاء مع أحد الإخوة القائمين عليها، فالتقينا مع الأخ خالد الربيعة الذي بيّن السبب في إنشاء هذه المكتبة. فقال: إننا رأينا أن هناك نقصاً في المعرض من ناحية الأشرطة، فكوّنا مؤسسة خاصة للأشرطة الإسلامية التي تعنى بنشر الشريط الإسلامي الذي يحتوي على تسجيلات القرآن الكريم والمحاضرات الإسلامية النافعة».
موضوع غلاف هذا العدد هو عن المعرض، وذكر في الغلاف معلومات عنه، منها أن مدته أسبوعان، وأن يوم الاثنين هو يوم مخصص للنساء.
وأوردت التغطية معلومة، وهي أنه في أول يوم اثنين مخصص للنساء بيع لهن 1200 شريط، وأنه بيع للرجال والنساء خلال الأسبوع الأول 6964 شريطاً.
نستنتج من هذا، أن زين العابدين الركابي، وهو يقدم مقترحه الثامن في استخدام الكاسيت في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ينطلق من وضع قائم يعيشه في الكويت، للكاسيت فيه حضور عند الإسلاميين فيها، وكان موجهاً في «تبليغ الدعوة» إلى المسلمين لا إلى غير المسلمين.
وعليه نفهم أنه في مقترحه الثامن كان يريد أن يمد «تبليغ الدعوة» إلى غير المسلمين، وهو الأمر الذي لم يحصل إلا على نطاق ضيق جداً، وتحديداً حصل مع العمالة الفلبينية في السعودية، وذلك باستخدام لغتها، لغة التاجالو. أما اللغات الأخرى التي استخدمت في «تبليغ الدعوة» فعلى قلة أشرطتها، فمعظمها أصحابها مسلمون.
ما يسمى في السعودية بالجاليات والعمالة لم يكونا هم هدف زين العابدين الركابي في «تبليغ الدعوة بلغات مختلفة»، فطموحه كان أكبر. وهذا ما يتضح من قوله «توزع هذه الكاسيتات في أوسع نطاق. ولا يجوز أن يسجلها من لا يعرف ظروف ومشكلات المخاطبين في السويد وأميركا وكينيا(!) وروسيا وألمانيا واليابان؛ لأن معرفة أحوال المبلغين شرط جوهري من شروط البلاغ المبين».
بمحض الصدفة بعد مرور شهرين وسبعة أيام على بداية أول يوم من أيام اللقاء الثالث للندوة العالمية للشباب الإسلامي التي ألقى زين العابدين الركابي محاضرته المذكورة، فيها، أنشأ إسلامي سعودي أول محل تسجيلات إسلامية في السعودية. أنشأه بعمائر الدغيثر بشارع البطحاء في مدينة الرياض، في 23-12-1976، إلى جوار محال تسجيلات للغناء؛ مما ألحق الضرر بها؛ فمع توافد زبائنه عليه من طلبة العلم والمشايخ وكان منهم من يعملون بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضايقوا أصحاب هذه المحال إلى أن اضطر أصحابها إلى أن يغلقوها ويبحثوا لهم عن مكان آخر خارج عمائر الدغيثر!
محل التسجيلات الإسلامية الأول في السعودية اسمه تسجيلات «اليمامة». وقد يستغرب الصحوي وغير الصحوي في السعودية أن اسم هذه التسجيلات لم تضف إليها لاحقة «الإسلامية» التي تعلِم بهوية التسجيلات وطبيعة عملها. فكلمة تسجيلات في ذلك الوقت مقترنة بأشرطة الغناء، وكان الناس حينها لا يعرفون تسجيلات سوى تسجيلات الغناء.
تجريد صاحب المحل تسجيلاته «اليمامة» من لاحقتها «الإسلامية» وراءها حكاية طريفة.
لما تقدم صاحب المحل إلى وزارة الإعلام السعودية لطلب الحصول على ترخيص بافتتاح محل تسجيلات إسلامية، سألوه عن فحواها وطبيعتها؛ لأن هذا الصنف من التسجيلات كان جديداً عليهم، ولا يعرفون من أمره شيئاً. أجابهم عن سؤالهم، ولما عرفوا أن من محتويات التسجيلات، محاضرات وخطباً، قالو له: سنصدر لك ترخيصاً، لكن كل مادة من مواد المحاضرات والخطب يجب أن تعرضها علينا لنصدر لك فسحاً ببيعها. فهم تعاملوا معها بمثل ما يتعاملون مع المادة المكتوبة في كتاب وفي المجلات المطبوعة في الخارج.
لم يعجبه هذا الأمر؛ لأنه رأى أنه يعيقه في عمله، ولم يكمل إجراءات طلبه.
بث شكواه من هذا الإجراء البيروقراطي لأحد أصحابه، فنصحه أن يقدم طلبه إليهم بالحصول على رخصة افتتاح محل تسجيلات بوصفها تسجيلات أغانٍ لكي يستفيد من الميزة المتوفرة فيها، وهي أن الرقابة عليها هي رقابة ما بعدية وليست رقابة ما قبلية. وبالمناسبة هكذا كان حال الرقابة على محال أفلام الفيديو في عقود خلت.
وعمل بنصيحته، فاستصدر ترخيصاً لفتح محل تسجيلات «اليمامة» على أنه تسجيلات أغانٍ!
وعليه، فهو وكل محال التسجيلات الإسلامية كافة يدينون لتسجيلات الأغاني في اجتياز المشكل الرقابي، الذي رأى هو أنه سيؤثر سلباً على حيوية عمل تسجيلاته الإسلامية.
في كتاب صادر عن دار الإعلام الدولي للحقيقة بالقاهرة عنوانه «جمهور الأشرطة الإسلامية ومكتباتها في المملكة العربية السعودية: دراسة ميدانية» في عام 1991، أعده صحوي أكاديمي سعودي اسمه إسماعيل أحمد النزاري، وتحت عنوان «بيان التسجيلات الإسلامية بمنطقة الرياض»، والذي يذكر فيه برفقة اسم التسجيلات عنوان مكانها، أشار إلى محل التسجيلات الذي نتحدث عنه، بأن اسمه تسجيلات «اليمامة الإسلامية»، وأن عنوانه شارع البطحاء.
وهذا معناه أن صاحب المحل في الوقت الذي أجرى فيه النزاري دراسته الميدانية، كان قد أضاف لاحقة «الإسلامية» إلى اسم محل تسجيلاته. علماً بأنه قد أجراها في التاريخ الهجري، كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه، ما بين شهر شعبان إلى أواخر شهر ذي القعدة عام 1410.
في عنوان عريض ومهيب هو «العمق الزمني لاستماع الأشرطة الإسلامية» سأل الدارس «منذ متى وهذا الجمهور يستمع إلى الأشرطة الإسلامية؟ هل هو قديم الارتباط بها أم ارتباطه حديث؟ وهل يتذكر أول شريط استمع إليه من هذه الأشرطة؟ ولا سيما أن كثيراً من الشباب عادوا إلى الله وإلى السير على منهجه بعد استماعهم الخطبة أو محاضرة في شريط تحولت بعدها مجريات حياتهم».
وللإجابة عن أسئلته الكبيرة استعان بكلام قاله الشيخ عايض القرني في محاضرة مسجلة على كاسيت، ومطبوعة في كتيب متعدد الطبعات في أكثر من دار نشر، عنوانها «شباب عادوا إلى الله».
وكانت هذا الاستعانة من الدارس بكلام قاله الشيخ عائض القرني خطأً فادحاً؛ إذ لا «عمق» ولا «زمن» في إجابته.
في أوسط كتابه اعتمد الدارس على عمله الميداني، فقال عن تاريخ التسجيلات الإسلامية في السعودية «من خلال عيّنة الدراسة يتضح أن المدينة المنورة احتوت على أقدم تلك التسجيلات تسجيلات (الإيمان) والتي أنشئت قبل عشر سنوات من الآن (1410). وهي مكتبة أنشئت بالقرب من المسجد النبوي الشريف واهتمت بتوفير أشرطة القرآن الكريم لضيوف الرحمن ثم تلتها مدينة الرياض، حيث أنشئت تسجيلات (التقوى) وتسجيلات (طيبة)، وهما من أشهر التسجيلات حالياً بمدينة الرياض، وفي السنوات الأخيرة ازداد عدد التسجيلات الإسلامية».
لكنه لما اعتمد على نفسه ارتكب خطأ في التزمين للكاسيت الإسلامي، فأول محل تسجيلات إسلامية، هو – كما ذكرنا – تسجيلات «اليمامة» التي سبقت إنشاء تسجيلات «الإيمان» بأربع سنوات. وربما تزيد على هذه السنوات الأربع بشهر أو شهرين أو أشهر. لأنه لم يذكر لنا في أي شهر من عام 1400هـ أنشئت تسجيلات «الإيمان» في المدينة المنورة. ولأنه لم يذكر هذه المعلومة، فنحن لا نعرف أيهما سبقت الأخرى في الإنشاء: تسجيلات «الإيمان» أم تسجيلات «طيبة»؟ فتسجيلات «طيبة» هي الأخرى، أنشئت عام 1410هـ، أما تسجيلات «التقوى» التي ذكرها، فقد أنشئت عام 403هـ.
إن الدارس فوّت على نفسه الرجوع إلى أقدم مرجع كُتب عن الكاسيت الإسلامي. وهو تحقيق صحافي أعدّه قسم التحقيقات في مجلة «الدعوة» الإسلامية الصادرة في الرياض، ونشر كموضوع غلاف فيها تحت عنوان «الشريط الإسلامي... بديل يحتاج إلى ترشيد» نُشر بتاريخ 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1984هـ. حدّد هذا التحقيق بداية دخول الشريط الإسلامي إلى السعودية، بالقول «بدأ عرض الشريط الإسلامي في المملكة عام 1395هـ، إذا استثنينا الجهود الفردية للأشخاص. وكان الشريط آنذاك يقتصر على التلاوة القرآنية للمقرئين العرب، كالشيخ محمد رفعت وعبد الباسط ومحمد صديق المنشاوي. ثم اتجه البعض لتسجيل برنامج (نور على الدرب) الذي تقدمه الإذاعة ويجيب فيه العلماء عن أسئلة المستمعين الدينية. وصاحب ذلك تسجيل لخطب المساجد والندوات».
ما تحدث عنه معدو التحقيق هو إرهاصات وليس بدايات. فأشرطة التلاوات القرآنية كان يبدأ بها في الطابور الصباحي في المدارس الابتدائية والمتوسطة ذات المباني الحكومية، وتذاع في إذاعتي الرياض وجدة، وتبث في محطات التلفزيون المحلية في تاريخ أقدم من التاريخ الذي حددوه.
لكن ما تحدثوا عنه هو مناسبة لذكر معلومة، وهي أنه في التاريخ المذكور، كان السعوديون لا يستعمون إلا للمقرئين المصريين. والشيخ السعودي الوحيد الذي كان لهم اسم عندهم في ساحة التلاوة، هو الشيخ عبد الله الخليفي إمام الحرم المكي الذي كان البعض يستمع إلى تلاوته.
يكمل معدو التحقيق كلامهم، فيقولون «وإذا أردنا تحديد انطلاقة الشريط الإسلامي، فإننا نؤرخها بإنشاء أول تسجيلات إسلامية في مدينة الرياض عام 1397هـ، وهي تسجيلات (اليمامة)، فقد كانت بمثابة حجر الأساس لإنشاء التسجيلات الإسلامية، رغم ضيق مساحة المحل، وعدم توفر الآلات الحديثة في ذلك الوقت، إلا أنها ساهمت مساهمة فعالة في نشر الشريط الإسلامي. وقامت بتوريد كثير من الأشرطة العربية لكبار العلماء والمقرئين».
وفي تحقيقهم هذا أجروا مقابلة مع صاحب محل تسجيلات «اليمامة» ومن ضمن أسئلتهم، سألوه متى بدأ العمل في التسجيلات؟ فأجاب «في الحقيقة تسجيلات (اليمامة) تعد أول التسجيلات في المملكة من ناحية تاريخ إنشائها في: 1-1-1397هـ».
وسألوه عن عدد الأشرطة في محله؟ فأجاب «يوجد في المحل ما يقارب ثمانية آلاف شريط. أي أكبر عدد يوجد من الأشرطة في أي محل بالمملكة».
صاحب المحل استوحى فكرة إنشاء تسجيلات إسلامية من الكويت؛ إذ كان على صلة زيارات بالكويت. وقد أحضر الجهاز الخاص بنسخ الأشرطة بكميات تجارية منها، كما كان يحضر الكثير من التسجيلات الإسلامية منها أيضاً.
تأثير الكويت الكاسيتي في السعودية يدخل في نطاق ما سماه عبد العزيز الخضر في كتابه «السعودية: سيرة دولة ومجتمع» تأثير الصغير في الكبير. وكان يتحدث تحت هذا العنوان عن المجال الديني، وإلا فالكويت تأثيرها في السعودية، كان في أكثر من مجال. وللحديث بقية.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.