.
.
.
.

أبحرت الباخرة فغرقت الحكومة

وليد شقير

نشر في: آخر تحديث:

أبحرت باخرة المازوت من ميناء بندر عباس على الساحل الإيراني فغرقت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بعد أن كانت بدأت تتخبط بأمواج البحر الأبيض المتوسط، وعاصفة الحصص في التوزير ورياح الثلث المعطل، والتحكم بقراراتها حتى انتخابات الرئاسة الأولى وما بعدها.

لا مكان لمعاناة اللبنانيين غير المسبوقة لا في الحروب ولا في الحصارات، إلا لاستخدامها حجة ووسيلة من أجل أهداف بعيدة عن إيجاد حلول لتلك المعاناة، أو لافتعال الحلول الوهمية على طريقة اجتماعات القصر غير القانونية والغامضة النتائج غير القابلة للاستمرار.

نقل التناحر الأميركي الإيراني على استقدام المحروقات إلى لبنان عملية تشكيل الحكومة إلى مستوى آخر من التعقيدات التي يتلطى مفتعلوها وراء المطالبة تارة بتسمية رئيس الجمهورية الوزراء المسيحيين الـ 12، وأخرى خلف اعتراض الفريق الرئاسي على هذا الإسم أو ذاك بحجة التدقيق الجنائي... ثم بتعمد التواصل مع الرئيس المكلف نجيب ميقاتي عبر المستشارين، لمزيد من الاستهزاء بالموقع.

لم تعد الأجواء تنتج ظروفاً مؤاتية لاستيلاد حكومة جديدة بقدر ما بات الوضع اللبناني برمته خاضعاً لمقتضيات تحدي طهران ومعها "حزب الله" للسياسة الأميركية. فالحزب أولويته المساهمة في تنفيذ شعار إخراج الأميركيين من المنطقة وتوجيه الضربات إليهم بالوسائل العسكرية في العراق وغيره من الدول، وعبر إحكام القبضة على السلطة في لبنان وصولاً إلى التحكم بالسياسة النفطية وانتهاءً بالانقضاض على جمعيات المجتمع المدني التي اعتبرها الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، "مجموعات السفارات" في خطبه الأخيرة مركزاً على تخوين الحراك الشعبي.

عندما لا يكترث الحزب لتناقض رفضه رفع الدعم عن المحروقات، مع قول نصرالله قبل أكثر من شهرين إن البلد ذاهب إلى رفع الدعم حكماً، ويدعي جبران باسيل أن رفع الدعم مؤامرة على الرئيس ميشال عون، و"المقاومة"، فهذا يكفي للدلالة إلى أن ما يملي كل المناورات والمكائد التي تنصب حول تشكيل الحكومة هو إنهاء الالتباس حول بقائه معلقاً بين سيطرة المحور الإيراني على قراره، وبين ما تبقى من النفوذ الغربي والدور العربي التاريخي فيه. كما أن افتعال الفراغ لأكثر من سنة ووضع العراقيل أمام قيام الحكومة سواء برئاسة السفير مصطفى أديب أو زعيم تيار "المستقبل" سعد الحريري هو الوسيلة الفضلى من أجل ملئه بمن يستطيع أن يتبع سياسة الإملاء والفرض، وصولاً إلى "ضربِ توازنِ الشراكةِ الوطنيّةِ بُغيةَ وضعِ اليدِ على البلادِ" كما قال البطريرك الكاردينال بشارة الراعي أمس.

وأصلاً فإن معايير تشكيل الحكومة كي تكون رافعة لانتشال البلد من القعر الذي وقع فيه، والتي وضعتها المبادرة الفرنسية منذ زيارة إيمانويل ماكرون في 6 آب الماضي تعرضت للتآكل التدريجي منذ حينها إلى أن اختفت كلياً، وتحت أعين باريس نفسها. لم يعد أحد يتحدث عن وزراء اختصاصيين مستقلين، بل ان الحديث هو عن وزراء مسيّسين ينتمون إلى الأحزاب والزعامات، يخضع معظمهم حسب الأسماء المسربة، للأوامر والتعليمات. والأسماء التي قيل إن الفرنسيين يحبذونها لأنها موضوع ثقة تتيح تقديم المساعدات للبلد لمشاريع تتولاها وزاراتهم، اختفت من قاموس الفريق الرئاسي وحل مكانها بعض الأزلام أو الحزبيين، الذين جرى إغراق الرئيس المكلف بها، مثلما أغرقت الإدارة السياسية للفراغ المبادرة الفرنسية نفسها على طريقة القضم بعد خروج قادة الفرقاء السياسيين الذين التقوا ماكرون في قصر الصنوبر في 1 أيلول الماضي فجرى التحلل من الالتزامات أمامه رويداً رويداً.

بات صعباً على أي حكومة أصلاً أن تنوء تحت حمل مقتضيات الصراع الأميركي الإيراني وقدوم باخرة المازوت سواء إلى أحد الموانئ السورية أو إلى الشاطئ اللبناني. وباتت الحسابات كيف ستتعامل المصارف المراسلة مع المصارف اللبنانية التي لبائعي المازوت حسابات فيها. وباتت الحسابات تتناول رد الفعل الإسرائيلي أو الأميركي على إبحار الباخرة، وانعكاس أي تفجير أمني على لبنان، وإذا مرت الأمور على خير، كيف سيُترجم ذلك على الصعيد السياسي الداخلي المعرض للانفجار أيضاً.

*نقلاً عن "نداء الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.