.
.
.
.

قلق واحد: انسحاب أميركا وسيطرة «طالبان»

عبد الوهاب بدرخان

نشر في: آخر تحديث:

سؤالان للمستقبل القريب والمتوسط يطرحهما الحدث الأفغاني: كيف سيتفاعل الإقليم، امتداداً إلى «الشرق الأوسط الكبير»، مع الفراغ الذي يخلفه الانسحاب الأميركي؟ وما المتوقَّع من حركة «طالبان» في حكم أفغانستان؟
أصبح مسلّماً به أن انتشار «الحركة» تناغمَ مع خطوات سحب القوات الأميركية والأطلسية منذ مايو الماضي، فيما ظهرت الحكومية الأفغانية وجيشها غير متأهبين لمباشرة أي خطط «مقاومة» للزحف «الطالباني» دفاعاً عن الدولة القائمة، رغم تأكيدات مسؤولين أميركيين سياسيين وعسكريين. ولعل التفسير الواقعي لذلك أن الحكومة والجيش أدركا منذ توقيع الاتفاق بين أميركا و«طالبان»، في فبراير 2020، أن أمراً واقعاً يفرض نفسه، وأن الطرفين حقّقا مصالحهما وتركا ما بعد الانسحاب رهن ميزان القوى الذي سينشأ بعده.
لا تزال الانتقادات الداخلية والدولية تنهال على إدارة جو بايدن، إلا أن الرئيس موقن بأنه لبّى مطلباً شعبياً. وكانت فكرة الانسحاب قد وُضعت على الطاولة منذ أواخر عام 2003 بعد التأكد من تحقيق الهدف الرئيسي، أي ضرب تنظيم «القاعدة»، وظلّت موضع نقاش طوال ولايتي باراك أوباما، وبالأخص بعد قتل ابن لادن في عام 2011. ثم حسمت إدارة دونالد ترامب الأمر رابطةً الانسحاب بالتفاوض، ولم تُقبِل «طالبان» على التفاوض جديّاً في عام 2018 إلا بعدما ضمنت أن الجانب الأميركي يريد الانسحاب، وبالتالي فإن عودتها إلى الحكم باتت مسألة وقت. ثمة فقط تعهّدان من «طالبان» أبرزتهما واشنطن: أن لا توفّر ملاذاً للجماعات الإرهابية، وأن تحترم حقوق المرأة والأقليات. أما التفاهم على مصير الحكومة والجيش فتُرك للتفاوض بين الأفغان، لكن «طالبان» أرجأته إلى ما بعد إنجاز سيطرتها.
الدول السبع (أو الثماني مع روسيا) التي تحيط بأفغانستان ورثت عملياً، بدءاً من منتصف أغسطس 2021، الصداع الذي عاشته الولايات المتحدة على وقع حرب لا نهاية لها. طوال العقدين الماضيين أراح الوجود الأميركي في أفغانستان تلك الدول من مخاطر الإرهاب، فاستفاد بعضها منه بأشكال مختلفة، وكانت لبعضها الآخر أدوارٌ معروفة أو مجهولة في استخدام «طالبان» لتعميق تورّطه. هذه الأدوار مرشّحة الآن لتغيير وجهتها وأهدافها، فالدول المحيطة مرتبطة بأقليات أفغانية قومية وعرقية، وليست واثقة تماماً بأن الحرب قد انتهت، ولا خطط جاهزة عندها للتعامل مع «طالبان» الحاكمة. ولا شك في أن الانسحاب أقلق دولاً، لكنه لا يعني انتفاء النفوذ الأميركي السياسي والاقتصادي، فواشنطن ستمارسه إزاء «طالبان» متخفّفةً من أعباء الدور العسكري.
تساؤلات كثيرة تعمّ العالم عما إذا كانت «طالبان» اليوم مختلفة عما كانت عليه قبل عشرين عاماً. الرئيس بايدن يقول إنها لم تتغير، فهل هذه خلاصة الأميركيين الذين فاوضوها؟ هناك مواقف لقادة في الحركة أفادت بأنها بصدد إقامة «إمارة إسلامية»، وهناك تصريحات لقادة آخرين تبث إشارات «اعتدال» لم تتطابق مع ممارسات مبكّرة عكست قلقاً جدياً في تقارير الأمم المتحدة. ليس هناك ما يؤكّد أن «طالبان» أجرت مراجعة لعقيدتها، لكنها ربما حدّدت مجالات معينة يمكن التنازل فيها وإخضاعها لنهج براغماتي، كالإعلام وعمل المرأة (وفقاً للشريعة الإسلامية) وإشراك فئات أخرى في السلطة. ربما تعتبر «طالبان الجديدة» أنها تخلّصت من التدخّلات الخارجية، وتريد هذه المرّة أن تعيد بناء حكمها («دولتها» أو «إمارتها») على أسس أكثر واقعية، لكن ما كشفته عن نياتها حتى الآن لم يطمئن الأفغان الكثر الساعين إلى الهروب.

*نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.