.
.
.
.

قراءة في خطاب بايدن الى الأمة

جاسم الصفار

نشر في: آخر تحديث:

قدم الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن في خطابه للشعب الأمريكي تقييمه للأحداث الاخيرة في أفغانستان، فاجأ فيه الكثير من المعارضين والمؤيدين له. الرسالة الرئيسية التي بُني حولها خطاب بايدن بالكامل هي: «مهمتنا في أفغانستان لم تتضمن أبدًا بناء دولة.

ولم تكن أبدًا تتعلق بإنشاء ديمقراطية مركزية. مصلحتنا الوطنية الحيوية الوحيدة في أفغانستان هي منع هجوم إرهابي على وطننا أمريكا ... بصفتي رئيسًا، أعتقد اعتقادًا راسخًا أنه يجب علينا التركيز على التهديدات التي نواجهها اليوم، في عام 2021، بدلاً من تهديدات الأمس “.

ووصف تهديدات الأمس بـ “القاعدة”، التي يقال إنها “ضعفت بشكل خطير” بعد فقدها لزعيمها أسامة بن لادن الذي قتل على أيدي الأمريكيين (حسب الرواية الامريكية الرسمية). أما “تهديدات اليوم” فهي، وفقا لبايدن، الصين وروسيا، هاتان “الخصمان الاستراتيجيان الحقيقيان” للولايات المتحدة.وفقًا للخبراء، فإن كل من الهزيمة في أفغانستان، والتي ستؤثر على علاقات أمريكا بالعالم الخارجي، وكذلك التبرير الذاتي غير الناجح لبايدن، يزيدان من فرص التغيير المبكر للرئيس في الولايات المتحدة.

كان خطاب الرئيس للشعب خطوة اضطرارية،بعد أن أصبح من المستحيل التزام الصمت في الظروف التي لم تترك فيها شاشات التليفزيون، بما فيها القنوات المحسوبة على الديمقراطيين، لقطات حشود اللاجئين وهم يقتحمون الطائرات في مطار كابول بينما يسترخي مقاتلو طالبان في القصر الرئاسي. لكن إيجاد تفسير مناسب للهزيمة المذلة الثانية، بعد فيتنام، ليس بالمهمة السهلة أو السارة. ومع ذلك، حاول بايدن القيام بذلك.

ألقى بايدن باللوم في احتلال طالبان لكابول على حكومة أشرف غني الأفغانية. التي، كما قال، كان لديها ما يكفي من القوات والموارد المادية لصد هجوم طالبان، لكنها لم تستخدمها. المذنب الاخر، وفقا لبايدن، سلفه دونالد ترامب، الذي أبرم اتفاقا بشأن انسحاب القوات الامريكية مع طالبان. أشار بايدن إلى نقاط خلافية لا أهمية لها ميزت موقفه عن موقف سلفهمنها، أن ترامب أراد في البداية سحب القوات بحلول 1 مايو 2021،بينما قام هو، أي بايدن، بتمديد هذه الفترة لمدة أربعة أشهر. واستدرك قائلا، أن البقاء في أفغانستان لفترة أطول لم يكن مفيدا إلا لروسيا والصين، اللتين تهتمان برؤية الموارد الأمريكية تضخ إلى ما لا نهاية في أفغانستان.

التأكيد على أن الولايات المتحدة لم تحاول بناء ديمقراطية في أفغانستان، جاء كذلك على لسان وزير الخارجية أنتون بلينكين في عدد من المقابلات الصحفية التي أجراها فترة اجتياح طالبان للمقاطعات الأفغانية ودخولها الى كابول، وهو ليس سوى تبرير مفتعل ومنفصل عن سياق تصريحات الرؤساء السابقين الذين عاصروا بداية الاحتلال. ففي الفترة 2001-2004، تحدث جورج دبليو بوش بوضوح عن نيته بناء أفغانستان ديمقراطية. صرح بذلك في مؤتمر بون عام 2001،وفي خطاب القاه بمناسبة يوم المحاربين القدامى عام 2003 قال الرئيس بوش «مهمتنا في العراق وأفغانستان واضحة لأفراد جيشنا وواضحة لأعدائنا... يكافح رجالنا ونسائنا للمساعدة في بناء الديمقراطية والسلام والعدالة في منطقة مضطربة وعنيفة.»وفي صيف عام 2004، تحدث مرة أخرى عن نواياه لإضفاء الطابع الديمقراطي على الشرق الأوسط واسيا الوسطى مستشهدا بأفغانستان كمثال لوجهة تلك النوايا. بعد ذلك، في عام 2009، أشار باراك أوباما إلى أن أفغانستان ستصبح معقلا للديمقراطية.

على أنه يجب الإقرار بأن هناك قدر معين من الحقيقة في كلام بايدن. فبحلول عام 2013، تغيرت المشاعر في الولايات المتحدة وتغير معها الخطاب الرسمي،بعد أن تيقنت إدارة أوباما من أن مشروع دمقرطة أفغانستان لن يكون ناجحًا. كانت آخر محاولة لانعاش العملية الديمقراطية هي الوساطة الأمريكية في انتخابات 2014 الرئاسية في أفغانستان، حينما أعلن كل من أشرف غني وعبد الله عبد الله عن فوزهما في نفس الوقت.

كما أنه من الخطأ أيضًا القاء المسؤولية عن قرار سحب القوات على ترامب. فالإدارة الامريكية بدأت بوضع خططها للانسحاب من أفغانستان منذ خريف عام 2010. وكانت إدارة أوباما تفكر، حينها، بسحب القوات الامريكية بضمانات مشتركة من الهند وحلف شمال الأطلسي. كان قادة البيت الأبيض، في ذلك الوقت، يأملون في أن تصبح دلهي حاضرة ومؤثرة في المنطقة، لتحل محل الولايات المتحدة، لكن ذلك لم ينجح. فلا الهند كانت راغبة في التورط في الشأن ألأفغاني ولا ألمانيا توافق على زيادة قواتها هناك.

على أية حال، فإن الخريف القادم، عندما يستأنف الكونجرس عمله بعد العطلة الصيفية، سيكون ساخنا سياسيا بالنسبة لأمريكا، وستتم مراجعة كل سياسة الاحتلال والخروج المذل من أفغانستان. السؤال هو: هل سيكرر بايدن مصير نيكسون؟ ريتشارد نيكسون هو الرئيس الذي غادرت القوات الأمريكية فيتنام تحت قيادته. يعتقد العديد من المؤرخين أن هذا كان أحد أسباب تخلي حزبه الجمهوري عنه بعد فضيحة ووترغيت، التي تسببت في استقالة الرئيس في عام 1974. بطبيعة الحال،ستكون هنالك تغيرات في سياسة البيت الأبيض سواء بقي بايدن رئيسا للولايات المتحدة أو لم يبقى في منصبه بأي ذريعة كانت.

* نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.