.
.
.
.

أبعد من الحكومة والبواخر الإيرانية

رفيق خوري

نشر في: آخر تحديث:

"كيف يصح أن نعيش؟". سؤال طرحه عمر فاخوري قبل أكثر من نصف قرن. اليوم ندرك الجواب الملموس باللحم الحيّ بعد كل الأجوبة النظرية: نحن رهائن سلطة بلا مسؤولية تتحكم بها "سلطة" أقوى منها ومما بقي من الدولة. والمعادلة السياسية أقسى من قسوة "جهنم" التي صنعها وقادنا إليها زعماء المافيا الحاكمة لندفع ثمن ما ارتكبوه من خطايا. فلا مجال لتأليف الحكومة التي يطالب بها اللبنانيون والمجتمع الدولي. ولا قيمة لحكومة محاصصة تحرس مصالح المافيا، وتهرب من الإصلاحات التي تفتح باب الإنقاذ، وتدفع نحو المزيد من عزلة لبنان. ما تريده المافيا هو حكومة لا تكون حكومة. حكومة في فراغ الجمهورية تصمت وتغطي ما يفعله "محور الممانعة" من خارج الشرعية والميثاقية والدستور والقوانين.

ذلك أن "دينامية التعطيل" لا تزال أقوى من "دينامية التشكيل". فهناك قوة داخلية وخارجية "تهندس" لعبة التعقيد بعد أي تسهيل، وتلعب في السياسة دور "اليد الخفية" التي تحدث عنها آدم سميث في الإقتصاد. وإذا كان رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي يستطيع الإعتذار من دون أن يتأثر مستقبله السياسي، فإن من الصعب تصور العهد و"حزب الله" قلقين حيال ذلك. ألم يحكم العماد ميشال عون في نهاية الثمانينات بحكومة من وزيرين مسيحيين بعد استقالة الأعضاء الثلاثة المسلمين، ويشن حربين قبل أن يخرج من قصر بعبدا بالقوة السورية المدعومة أميركياً؟ أليس لدى "حزب الله" المسيطر على السلطة "سلطة مستقلة" كاملة الأوصاف؟

من الوهم قراءة قصة البواخر الإيرانية بالبساطة التي يعرضها السيد حسن نصرالله. فلا القصة مجرد إستقدام مازوت وبنزين لسد شيء من النقص الهائل في السوق على أيدي المسؤولين اللامسؤولين. ولا هي خارج كتاب التحدي الدائم لأميركا والسعودية. إنها فصل في توظيف الظروف الضاغطة من أجل هدف ومشروع أكبر من الفعل المباشر. ظروف الإحتلال الإسرائيلي وغياب السلطة عن واجباتها قادت الى قيام "المقاومة الإسلامية". لكن المقاومة صارت مشروعاً أكبر ومن أجل هدف أكبر بعد تحرير الأرض. وظروف الحاجة الماسة الى المحروقات وتخفيف الإذلال اللاحق باللبنانيين في الطوابير والأضرار التي تصيب مرافق الحياة تبرر إستقدام البواخر الإيرانية. لكن القصة التي تجعل لبنان معرّضاً للعقوبات الأميركية تسمح بتسجيل أهداف للمشروع الإيراني في الصراع الجيوسياسي مع أميركا. ومهما تكن العوامل المحلية المؤثرة في ما نحن فيه، فإن التوقيت لافت: وقت الإنكفاء الأميركي والإندفاع الإيراني.

في مذكراته "أرض موعودة" يقول الرئيس باراك أوباما: "لا أزال أسأل حتى اليوم إن كان علي أن أكون أكثر إقداماً". فهل نقرأ يوماً ما في مذكرات متسلط لبناني: لا أزال أتساءل إن كان عليّ أن أكون أكثر وقاحة وقسوة؟

* نقلا عن "نداء الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.