.
.
.
.

أحلام المستقبل وأوهام الماضى

مصطفى الفقي

نشر في: آخر تحديث:

تتحدد مكانة الشعوب وقيمة المجتمعات من قدرتها على الخروج من عباءة الماضى والدخول فى جلباب المستقبل إذا جاز التعبير أما إذا ظلت أسيرة الماضى وحبيسة إطار تاريخى لاتستطيع تجاوزه فإننا نكون أمام موقف صعب وحالة استثنائية لأن انعدام القدرة على الفكاك من الماضى والتأقلم مع الحاضر والتهيؤ للمستقبل كلها أمورٌ تشير إلى حالة من العجز والتيبس العقلى والجمود الفكرى، والعرب يملكون تراثًا ثقيلاً خصوصًا فى الثقافة برافديها الآداب والفنون، فضلاَ عن أن نمط الحياة العربية متميز ـ شأن القوميات الأخرى بأنماط فى الملبس والمسكن والمأكل، فالثقافة تعبير واسع يحتوى أشكال السلوك البشرى بعمومها، ولذلك فإننا حين نتصدى لموضوعٍ يتصل بأوهام الماضى وأحلام الحاضر فإننا نضع أيدينا على جوهر المشكلات العربية الراهنة وأزمات الوطن العابرة فنحن مازلنا نعيش تحت إرثٍ ثقيل من الماضى الطويل، حيث نبدو أسرى لركام من القيم والتقاليد والعادات بل أيضًا أساليب التفكير وأولويات الذهن، لذلك فنحن محتاجون إلى عملية تفكيك علمى لخلايا العقل العربى وإعادة تركيبها على نحوٍ يتسق مع معطيات التطور ومتطلباته، ولست أعنى بذلك أننا فى حاجة إلى جراحة للمخ ولكننا نحتاج إلى عملية تنقيب واسعة فى أفكارنا ومسح شامل لتقاليدنا الفكرية وميراثنا الاجتماعى. فلقد لاحظت وسبقنى إلى ذلك جمهرةٌ من المهتمين بتركيبة العقل العربى أننا مبرمجون تاريخيًا بصورة تتسم بالجمود مع حالة من الركود يؤديان معًا إلى مايمكن تسميته «التحجر الفكري» وانعدام القدرة على المواءمة مع روح العصر وتطوراته التكنولوجية، ولاشك أن المسافة الزمنية التى تفصلنا عن إنجازات الحاضر وتطلعات المستقبل إنما تمثل الفجوة التاريخية بيننا وبين الدول التى قطعت أشواطًا واسعة على طريق النهوض والتقدم، فنحن العرب لاتنقصنا الاستنارة الحضارية إذ أننا من أكثر شعوب الأرض احتكاكًا بغيرنا ولكن الذى ينقصنا بالفعل هو الإرادة السياسية التى تؤدى إلى التمكين الكامل من السيطرة على مقدراتنا وتوظيف مواردنا على النحو الأمثل، ومواردنا بالمناسبة ليس المقصود بها الموارد المالية فحسب ولكنها تتجاوز ذلك إلى كل ما نحمله على كاهلنا من فكر تنويرى وتراث نهضوى، فنحن العرب لسنا عرايا أمام المستقبل ولكننا مغلفون بصورة نمطية استقرت فى ذهن الغير وشكلت إلى حدٍ كبير الصورة الذهنية الدائمة عن العربي, ولابد أن نتعرف أنها صورة لاتتسم بالإيجابية ولاتخلو من سلبيات لأنها تقوم على عملية تجميع مغرض لمشكلاتنا وأخطائنا فى سبيكة ظالمة تضر بنا على غير ما يجب، لذلك فنحن مطالبون أكثر من أى وقتٍ مضى بترشيد سلوكنا أمام الغير وتحسين صورتنا فى مواجهة الآخر لأن التصور النمطى عنّا لايبدو عادلاً ولامريحًا ونحن ندفع فاتورة ذلك من حقوقنا الضائعة وأموالنا المهدرة والظلم الواقع على بعض شعوبنا بضغوطٍ خارجية وتدخلات أجنبية، لذلك فإنه يتعيّن علينا أن نخرج من أسر الماضى بأوهامه لنستعد للمستقبل بأحلامه، ونود أن نضع الملاحظات الثلاث الآتية بهذه المناسبة:

أولاً: إن التضامن العربى أمر أساس فمن غير المقبول أن نتحدث فى كل القضايا باثنين وعشرين صوتًا فى ظل ضعف المؤسسة المعنية بالشأن العربى وأعنى بها جامعة الدول العربية التى حرمناها أن تكون أداة فاعلة وقوة مؤثرة، ونحن حين نسعى إلى أن يستمع إلينا غيرنا فلابد أن تكون هناك هيبة للقرار القومى واحترام للكلمة العربية فليس المهم أن نكون محبوبين ولكن الأهم أن نكون مهابين. فالهيبة الدولية تنبع من القوة الذاتية للعرب والتضامن بينهم وتوحد كلمتهم.

ثانيًا: إن قيام دولة إسرائيل واستمرار المشكلة الفلسطينية معلقة بين أطرافها حتى الآن هو فى حد ذاته استنزاف للقوى العربية واستهلاكٌ للمكانة التى نطالب بها ونسعى إليها، وهنا أطالب أمتى العربية بأن تكون واقعية فى ظل التمسك بالثوابت وأن تكون قادرة على اتخاذ القرار الرشيد مادام يؤدى _ ولو بعد حين ــ إلى استرداد الحقوق العربية بدلاً من تركها فى قبضة الزمن تضيع مع التقادم وتختفى فى زحام المتغيرات الدولية والتطورات الإقليمية خصوصًا وأن إيقاع العلاقات الدولية المعاصرة يبدو سريعًا لايمكن اللحاق به إلا بدرجة عالية من الوعى والفهم الصحيح للحقائق والرشد فى اتخاذ القرارات، لأن الأوهام لاتجدى والذكريات لاتبقى ولكن الموضوعية والبعد عن «الديماجوجية» ــ التى تعنى شراء مشاعر الآخرين ولو بشكل وقتى وتلهم حماسهم وراء أهداف لايتفقون عليها _ هى الأهم.

ثالثًا: إن أحداث الربيع العربى وماتلاها قد فتحت بابًا واسعًا للافتراضات والاجتهادات والتوقعات، ومن أسفٍ أنها فى معظمها كانت محاولة للالتفات على الواقع العربى وتمزيق أوصاله بمواقف وأحاديث لاتمت لجوهره بصلة، فقد انتفضت الجماهير لأسباب داخلية معظمها يتصل بمكافحة الفقر وإرساء مبدأ تكافؤ الفرص وتغليب سيادة القانون، فالدولة الديمقراطية الحديثة فى أدق تعريفاتها العصرية هى دولة سيادة القانون. إن النظرة الفاحصة للدور العربى يعطى انطباعًا بأننا مشغولون بقضايانا وحدها ولا نشارك فى التفكير الجمعى للمجتمع الدولى إزاء الأزمات الأخرى وكأن العالم قد خلق لنا وحدنا، وأنا مازالت ترن فى أذنى كلمات الرئيس الإفريقى الراحل موبوتو الذى قال ذات يوم إن علينا أن نقيم منظمة للوحدة الأفريقية ليس فيها عرب الشمال لأنهم مشغولون بصراعات المشرق العربى والقضية الفلسطينية وقد آن الأوان للأفارقة أن يبحثوا لأنفسهم عن منظمة تهتم بشئونهم وتعطيهم أولوية على غيرهم، وذلك طرح له دلالة وهو أن العرب مستغرقون فى ذاتهم معجبون بتاريخهم ولايهتمون بغيرهم، وقد آن الأوان لكى نقول وداعًا للأوهام التى مضت ومرحبًا بالأحلام التى تأتى.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.