.
.
.
.

المملكة ضمن الكبار دولياً.. لماذا؟

إبراهيم النحاس

نشر في: آخر تحديث:

يطرح الجُهال تصورات تُعبِر عن ضِيق أُفقهم الفكري والثقافي، ومحدودية وضحالة نظرتهم للتاريخ والواقع والمستقبل، وضُعف مستواهم الأدبي والعلمي، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالمملكة العربية السعودية وتميزها على المستويات الدولية، ووجودها ضمن مجموعة الكِبار دولياً، ومن أمثلة هذه التصورات السطحية التي يطرحها هؤلاء على شكل تساؤلات تعجبية قولهم: ماذا قدمت المملكة للبشرية لتكون ضِمن مجموعة الكِبار دولياً؟! أو قولهم على سبيل الخبر: إن النفط هو سبب وجود المملكة ضِمن مجموعة الكِبار دولياً، أو قولهم على سبيل المعلومة: إن الثراء المالي الذي تملكه المملكة جعلها ضِمن مجموعة الكِبار دولياً، أو قولهم على سبيل الاتهام والتشكيك: إن علاقات المملكة الاستراتيجية بالدول الغربية، وخاصة بالولايات المتحدة الأميركية، مكَّنتها من أن تكون ضِمن مجموعة الكِبار دولياً؛ إلى غير ذلك من الطروحات السطحية والساذجة التي يتم تسويقها للتقليل من مكانة المملكة العالمية لدى الرأي العام بمختلف مستوياته وانتماءاته.

ومما يُلاحظ على هذه التساؤلات التعجبية، والأقاويل والتصورات السطحية، أنها جميعها تنبُع من نظرة يغلب عليها إما الجهل التام بالسياسة وعُلومِها، أو ضعف الاطلاع على الواقع الدولي، أو الكُره لكل ما هو عربي وإسلامي، أو التبعية العَمياء لأعداء الأمتين العربية والإسلامية، أو الارتزاق والعمالة لأعداء الأمن القومي العربي، أو لأسباب نفسية وسلوكية غير سوية تفرض على هؤلاء الجُهال اتخاذ مواقف سلبية تجاه كل شيء تقوم به وتفعله وتتميز به المملكة العربية السعودية. فإذا كانت هذه تساؤلات وتصورات وطروحات الجُهال التي لا يمكن إطلاقاً البِناء عليها، أو الأخذ بها، أو التفكير بما احتوته من سطحية الفكر والثقافة، فكيف يمكن التوضيح للرأي العام أن أصحاب هذه التساؤلات والتصورات والطروحات ليسوا إلا جُهالاً أو أدوات هدفها الانتقاص من تميز المملكة دولياً، والطعن بمكانتها العالمية الكبيرة التي استحقتها على جميع المستويات؟

نعم، إن من حق الرأي العام أن يتعرف على العوامل والعناصر التي جعلت المملكة مميزة دولياً وضمن مجموعة الكبار عالمياً، فإذا قال البعض: إن النفط هو سبب تميز المملكة فقط، فإن المنطق يقول: إن هناك عشرات الدول حول العالم لديها النفط، وكثير منها لديها احتياطات نفطية بنسب عالية جداً، وبعضٌ منها تُنتج وتُصدر كميات كبيرة للأسواق الدولية، ومع ذلك لم تتميز دولياً ولم تدخل ضِمن مجموعة الكِبار عالمياً، إذاً نستطيع القول: إن امتلاك احتياطيات عالية جداً من النفط ليس سبباً رئيساً لتكون أية دولة ضِمن مجموعة الكبِار عالمياً، وذلك بناءً على واقع السياسة الدولية التي نعيش واقعها يومياً، وإنما قد يكون سبباً من عدة أسباب. وإذا افترضنا -أخذاً بطرح الجُهال- أن النفط سبب رئيس لوجود المملكة ضِمن مجموعة الكِبار عالمياً، فإن ردّنا على هذا الافتراض البسيط هو : إن النفط بحد ذاته ليس سبباً لتميز المملكة، وإنما حُسن إدارة السياسة النفطية على المستويات الدولية والعالمية، وضمان استقرار الإمدادات النفطية حتى وصولها للأسواق العالمية، والقدرة على المحافظة على استقرار أسعار النفط بما يناسب المنتجين والمستهلكين، بالإضافة للاستقرار السياسي والاجتماعي الكبير جداً الذي تتمتع به المملكة، جعلها، مع عوامل أُخرى، تتميز لتكُون ضِمن الكِبار عالمياً.

وإذا قال البعض: إن الثراء المالي سبب لتميز المملكة دولياً، فإن الواقع يقول: إن هناك دولاً تملك ثروات مالية ومادية تقارب أو تتفوق على المملكة فيما تملكه، ومع ذلك لم تدخل ضِمن مجموعة الكِبار دولياً، وكذلك فإن الواقع يقول: إن مجموعة الكِبار العالمية تملك من الثروات المالية والمادية أضعاف ما تملكه المملكة من ثراء مالي ومادي، مما يجعلها ليست في حاجة للمملكة مالياً ومادياً، ومع ذلك دخلت المملكة ضِمن مجموعة هذه الدول العالمية. فإذا افترضنا -أخذاً بطرح الجُهال- أن الثراء المالي سبب رئيس لتميز المملكة دولياً، فإن ردّنا على هذا الافتراض البسيط هو: إن الثراء المالي ليس سبباً رئيساً لوجود المملكة ضِمن مجموعة الكِبار دولياً، وإنما حُسن إدارة المال بما ينفع ويخدم الإنسان، ويحفظ حقوقه، ويضمن كرامته، ويُساهم في تحسين مستواه المعيشي والصحي والبيئي والأمني والتنموي، هو الذي ميز المملكة، مع عوامل أخرى، وجعلها ضِمن الكِبار عالمياً.

وإذا قال البعض: إن العلاقات الاستراتيجية مع المجتمع الغربي سبب لوجود المملكة ضِمن الكِبار دولياً، فإن الواقع يقول: إن هناك عشرات الدول لديها علاقات أكثر قرباً ثقافياً وحضارياً للغرب، وأكثر عُمقاً في علاقاتها الاستراتيجية مع المجتمع الغربي، وأقرب مواقع جغرافية للغرب، ومع ذلك لم توجد ضِمن مجموعة الكِبار عالمياً. فإذا افترضنا -أخذاً بطرح الجُهال- أن العلاقات الاستراتيجية بالغرب سبب رئيس لوجود المملكة ضِمن مجموعة الكِبار دولياً، فإن ردنا على هذا الافتراض البسيط هو: إن علاقات المملكة الدولية ليست محصورة على المجتمع الغربي، وإنما امتدت وتنوعت لتشمل معظم دول العالم، بما فيها تلك الدول التي لا تتفق سياساتها مع المجتمع الغربي، أو تلك الدول التي تختلف جذرياً مع سياسات المجتمع الغربي في بعض الجوانب السياسية والاقتصادية والأيديولوجية. إذاً ليس تميز العلاقات بالمجتمع الغربي هو الذي ميز المملكة، وإنما علاقاتها الدولية المُتعددة القائمة في أصلها على قواعد القانون الدولي الذي يدعوا لاحترام سيادة الدول ويحرم التدخل في شؤونها الداخلية، وينادي بحفظ الأمن والسلم والاستقرار على جميع المستويات الدولية، هو الذي ميز المملكة، مع عوامل أخرى، وجعلها ضِمن الكبار عالمياً.

فإذا كانت جميع هذه العوامل المتعلقة بالثروة النفطية، والثروة المالية والمادية، والعلاقات الدولية المُتعددة، ساهمت مساهمة رئيسة بتميز المملكة دولياً، فإن هناك سبباً رئيساً أعلى بكثير من تلك العوامل الرئيسة ضَمِنَ للمملكة وجودها ضِمْن مجموعة الكِبار عالمياً، وهو هويتها الإسلامية الفريدة التي لا تجاريها فيها أية دولة على وجه الأرض، وذلك بما تملكه من تراث وحضارة وثقافة أصيلة ساهمت على مدى أربعة عشر قرناً بالارتقاء بمستوى البشرية أخلاقياً وفكرياً وعلمياً وسلوكياً. نعم، إن الهوية الإسلامية النقية التي تأسست عليها المملكة، وعُرفت بها على مدى تاريخها المُمتد لثلاثة قرون، وخدمتها غير المسبوقة تاريخياً في بناء وعمارة الحرمين الشريفين، وخدمتها الكريمة لضيوف الرحمن، وتمثيلها خير تمثيل للأمة الإسلامية، وخدمة مصالح المسلمين أمام العالم أجمع، جعل منها دولةً عظيمة تستحق التميز والمكانة الكبيرة ضِمن الكبار عالمياً.

وفي الختام من الأهمية القول: إن سياسة المملكة العربية السعودية القائمة على الحِكمة والعقلانية والاعتدال والقرار الرشيد، ساهمت مساهمة عظيمة بخدمة البشرية في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية والأمنية وعلى جميع المستويات الإقليمية والدولية والعالمية. إن الذي قدمته المملكة للبشرية على مدى تاريخها الممتد استفادت منه البشرية بمختلف توجهاتها الدينية والثقافية والحضارية والمذهبية، وبمختلف خلفياتها العرقية واللغوية، وكل ذلك ظاهر للعيان لا يمكن إنكاره أو تجاهله.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.