.
.
.
.

النساء الأفغانيات أشد الشرائح تأثرا بعودة "طالبان"

منذ سيطرة الحركة بدأن بالاختفاء عن الأنظار والمجال العام في البلاد

سوسن مهنا

نشر في: آخر تحديث:

لم يكُن مستهجناً تعرّض صور النساء على واجهات المحال للتشويه أو الحجب، بعدما سيطرت حركة "طالبان" على العاصمة الأفغانية كابول، في وقت سابق من الشهر الحالي، إذ رشّت الحركة خلال الأيام الأولى من سيطرتها على زمام الحكم، للدلالة على علامات التغيير التي تريد أن تفرضها لاحقاً، واجهات مراكز التزيين النسائي بطلاء أسود لإخفاء صور عارضاته المبتسمات. وفي مكان آخر، كان عنصر من "طالبان" يحرس أحد تلك المراكز وهو يحمل بندقية، وليس معلوماً ما إذا كانت مهمته هي منع النساء من المجيء إلى ذلك المكان أو التصدي لنشر صور جديدة لعارضات سافرات. تقارير كثيرة آتية من أفغانستان وتابعها العالم أجمع، شهدت على "بدائية" سيطرة تلك الحركة على معالم الحداثة والتقدم في البلاد. وتبرز قضية المرأة الأفغانية للحديث عنها بوصفها أحد الملفات التي تقلق الكثيرين داخلياً وخارجياً، لما من المحتمل أن تتعرض له من اضطهاد تبعاً لتجارب سابقة مع "طالبان".

القلق من عودة المرأة الأفغانية إلى "خانة المهمشين"

ركّزت الولايات المتحدة خلال 20 عاماً من وجودها في أفغانستان على هدف تحرير المرأة، إضافة طبعاً إلى شعار محاربة الإرهاب. ومع خروجها من تلك البلاد، يبدي الكثيرون مخاوف محقة من خسارة المرأة مكاسب كانت حققتها خلال الفترة الماضية، بخاصة أن "طالبان" منعت خلال وجودها في الحكم ما بين عامَي 1996 و2001 النساء من العمل وطبّقت عقوبات مثل الرجم والجلد والشنق.
إلا أن الحركة تحاول حالياً تقديم وجهاً معتدلاً وتعهدت باحترام حقوق المرأة، بحسب ما جاء على لسان المتحدث باسمها محمد نعيم في 15 أغسطس (آب) الحالي، إذ قال إن "طالبان تحترم حقوق المرأة والأقليات وحرية التعبير في إطار الشريعة الإسلامية". من جهة أخرى، صرح متحدث باسم الحكومة الأفغانية في 13 أغسطس، أن "الحركة ستتراجع عن الحرية على كل المستويات وهذا ما نحاربه"، مضيفاً أن "النساء والأطفال هم الأكثر معاناة وقواتنا تحاول إنقاذ الديمقراطية. على العالم أن يفهمنا ويساعدنا".
ويسيطر جو من الخوف والقلق على النساء، اللواتي نشأ جيل كامل منهن على التمتع بالحقوق والحريات التي كانت متوافرة، من أن يتحولن إلى فئة مهمشة ومستضعفة مرة جديدة في المجتمع الأفغاني.

الأفغانيات يختفين عن الأنظار

ومع انتقال الحكم بهذه السرعة إلى "طالبان"، سُلّطت الأضواء على أفغانستان كنقطة جذب لغالبية التغطيات الإعلامية، ويأتي واقع المرأة الأفغانية في الدرجة الأولى من الاهتمام، بخاصة بعدما ظهرت مراسلة "سي أن أن" كلاريسا وارد خلال تغطيتها للحدث، مرتديةً الحجاب بعد أقل من 24 ساعة على سيطرة الحركة. وفي تحقيق لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، نُشر في 19 أغسطس، بعنوان "الأفغانيات يختفين عن الأنظار خوفاً من طالبان"، نُقلت تجارب نساء بين ما اعتدن على فعله سابقاً واليوم. الدكتورة زوهال اعتادت أن تقود سيارتها بنفسها إلى العمل، لكنها بدأت بركوب سيارة أجرة لتجنّب الأعمال الانتقامية من جانب "طالبان"، التي كانت تمنع النساء من القيادة والتي في اليوم الثاني من سيطرتها، عمد عناصرها على سحب زوهال من سيارة الأجرة وجلدها، لأنها صوّرت الفوضى التي أحاطت بعمليات الإجلاء في مطار كابول من نافذة منزلها. وقالت زوهال للصحيفة "بكيت طوال الطريق إلى البيت، لدي الكثير من الأحلام بالنسبة إلى ابنتي. حياتي وإنجازاتي تتمزق أمام عيني. لا أريد أن يحدث هذا لابنتي أبداً". وقالت فوزية كوفي النائب السابقة، والمدافعة عن حقوق المرأة، إنها غير قادرة على إجراء مقابلات في ظل الظروف الحالية. والجدير بالذكر أنه على مدار الأعوام الماضية، لم ترتدِ الكثيرات البرقع قط، وكثيراً ما ظهر بعضهن في الأماكن العامة من دون حجاب. وأصبحت الأحياء الثرية شبيهة بالغرب، حيث يختلط الرجال والنساء بحرية في المقاهي. هذا هو أسلوب الحياة الذي اعتادت عليه المصوّرة فاطمة حسيني (28 سنة)، فكانت تتجول في شوارع كابول لالتقاط صور لنساء أفغانيات وتلتقي أصدقاءها في المقاهي والمطاعم. وتقول إنها كانت تفعل ذلك منذ أيام قليلة، لكنها باتت تخشى الآن الظهور في الأماكن العامة. وتابعت الحسيني "ماذا عن كل شيء ناضلنا من أجله في العقدين الماضيين؟ اليوم أخشى أن أعرض صوري". وتضيف "أنا أخفي نفسي، كان لدي تحرري، كانت لدي حريتي. كنا نذهب إلى صالة الألعاب الرياضية والمطاعم. كنت أحياناً لا أغطي شعري في الأماكن العامة، لقد تغيّر كل شيء في أسبوع".

تعهدات "طالبان"

تسعى "طالبان" إلى تصوير نفسها على أنها أكثر اعتدالاً مما كانت عليه في التسعينيات، وتعهدت علناً باحترام حقوق المرأة في حدود الإسلام، لكنها لم تشرح بالتفصيل ما الذي ستفعله، ولم تقدّم وعوداً محددة. لأن الحركة بنسختها القديمة أبقت النساء حبيسات داخل منازلهن، ومنعتهن من التعليم أو العمل وأجبرتهن على ارتداء البرقع الذي يغطيهن بالكامل في الأماكن العامة. وقال المتحدث باسم "طالبان" ذبيح الله مجاهد في أول مؤتمر صحافي له، إن الحركة التي تطلق على نفسها اسم الإمارة الإسلامية "ستحترم حقوق المرأة". وتابع أن "الإمارة الإسلامية ملتزمة حقوق المرأة في إطار الشريعة الإسلامية"، و"نودّ أن نؤكد للمجتمع الدولي أنه لن يكون هناك أي تمييز ضد المرأة، ولكن بالطبع ضمن إطارنا، نساؤنا مسلمات". لكن لا تزال شريحة واسعة من النساء الأفغانيات غير مقتنعة بتعهد "طالبان" باحترام حقوقهن، أما بالنسبة إلى الشابات اللواتي وُلدن بعد غزو الولايات المتحدة عام 2001، فيؤكدن للصحيفة الأميركية أن أحلامهن تحطمت بين عشية وضحاها. وقالت إحداهن "قبل أسبوع، كنا نخطط لكيفية الدراسة والعمل في فصل الخريف بالجامعة، لكن الجميع الآن خائفون حتى الموت". وقالت أخرى "أحلامنا ذهبت".
وتقول "وول ستريت جورنال" إن "النساء بدأن بالاختفاء عن الأنظار والمجال العام في أفغانستان منذ سيطرة طالبان على الحكم. وفي بعض المناطق التي سقطت الأسبوع الماضي، سرعان ما فرضت الحركة قيوداً عليهن، ومنعتهن من مغادرة المنزل من دون قريب رجل، وأجبرتهن على ارتداء النقاب. وطالب بعض القادة العائلات بتسليم غير المتزوجات للزواج من عناصرهن".

تزايد الجرائم بحق المدنيين مع زحف "طالبان"

وجاء في تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" صدر في الخامس من الشهر الحالي أن "عدم توفير الحكومة الأفغانية المساءلة في قضايا العنف ضد النساء والفتيات، قوّض التقدم في حماية حقوق المرأة. وستؤدي المكاسب التي حققتها طالبان مع استكمال الولايات المتحدة سحب قواتها، إلى ترك الوضع الحالي في أفغانستان، بخاصة حقوق المرأة، بلا ضمانات". وركّز التقرير الذي جاء بعنوان "اعتقدت أن حياتنا قد تتحسن... تطبيق قانون إنهاء العنف ضد المرأة في أفغانستان"، على تجارب الأفغانيات في محاولاتهن لتحقيق العدالة ضد أفراد عائلاتهن وغيرهم من المسؤولين عن العنف. ووجدت المنظمة أن التطبيق المحدود لـ"قانون القضاء على العنف ضد المرأة" حرم عدداً كبيراً من النساء والفتيات من تدابير الحماية الرئيسة والعدالة. ومع تحقيق "طالبان" مكاسب كاسحة على الأرض، يهدد احتمال تشكيل حكومة تهيمن عليها الحركة أيضاً، الحماية الدستورية والقانونية الدولية للحقوق الأساسية للمرأة الأفغانية. وحذّرت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان "يوناما"، في تقرير أصدرته في يوليو (تموز) الماضي، من أزمة إنسانية وشيكة في البلاد حيث يؤدي الصراع المتصاعد إلى زيادة المعاناة الإنسانية ونزوح المدنيين.

ووفقاً لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، نزح ما يُقدّر بنحو 270 ألف أفغاني داخل البلاد منذ يناير (كانون الثاني) 2021، ويرجع ذلك أساساً إلى انعدام الأمن والعنف، ما رفع إجمالي عدد النازحين إلى أكثر من 3.5 مليون شخص. وبحسب "يوناما"، زاد عدد الضحايا المدنيين هناك بنسبة 29 في المئة في الربع الأول من هذا العام، مقارنةً بالفترة ذاتها قبل 12 شهراً. وتزايد عدد الضحايا المدنيين في أفغانستان بنحو 50 في المئة، مع ارتفاع عدد القتلى والجرحى من النساء والأطفال، مقارنةً مع الأشهر الستة الأولى من أي عام منذ بدء التسجيل عام 2009. واتهمت الحكومة الأفغانية حركة "طالبان" بالضلوع في غالبية جرائم القتل تلك. وشكّلت النساء والأطفال نسبة 43 في المئة من الضحايا المدنيين في أفغانستان خلال عام 2020. وفي السياق، كشفت المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ميشيل باشليه، أمس الثلاثاء عن أنها تلقّت تقارير موثوقة عن انتهاكات جسيمة في المناطق الخاضعة لسيطرة حركة "طالبان" في البلاد، بما في ذلك القيام بـ"إعدامات بإجراءات موجزة" لمدنيين وعناصر من قوات الأمن ألقوا أسلحتهم، إضافة إلى فرض قيود على النساء.

*نقلاً عن "إندبندنت عربية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.