.
.
.
.

لماذا لا يتعلم أحد من التاريخ؟

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

عشرات الأسئلة مطروحة حول الخروج الأمريكي المتوتر من أفغانستان، وعودة طالبان إلي كابول العاصمة مرة أخري، وكأن عشرين عاما لم تمر، ولا تريليون دولار لم تنفق، ولا عشرات الألوف راحوا ضحية، ولا أضعافهم كانوا جرحي، ولا مدن قصفت، ولا ذخائر انفجرت. واحد منها قام علي مدي استيعاب الدول والشعوب والأمم للتاريخ، وفي الحالة الأمريكية فإن أصداء فيتنام لا تتوقف، مشهد النهاية الذي جري علي سطح السفارة الأمريكية في سيجون العاصمة، والمشهد المقابل له الآن في الجماهير التي تجري في موازاة وحول الطائرات في مطار كابول. الذائع حول هذا السؤال تحديدا هو أن العرب لا يتعلمون من التاريخ، وحتى لو علموا فإنهم لن يتفهموا المواقف المعقدة التي تجري أمام أعينهم. الولايات المتحدة ترفع هذا السبق عن العرب، فلم يكن مشهد النهاية وحده هو الذي تكرر، إنما جميع المشاهد الأخرى. استيقظ المسئولون الأمريكيون فجأة على السؤال في مؤتمر صحفي حضره وزير الدفاع لويد أوستن عما سوف يتم فعله من أجل الأفغان المتعاونين مع القوات الأمريكية؟ السؤال لم يكن جديدا، فوسط القائمة الكبيرة من الموضوعات المكررة في فيتنام والعراق وأفغانستان أن الجيش الأمريكي يحتاج إلي جيش كبير من هؤلاء الذين يتعاونون معه في عمليات الترجمة، وتوصيل التعليمات، وحتي المشاركة في تدريب القوات الأفغانية. بعد ذلك كان هناك جيش أوسع مهمته المعاونة في العمليات المزعومة لبناء الدولة الأفغانية وتجهيزها للمرحلة الديمقراطية. وهناك جيش ثالث للتوريد والتوزيع لكثير من المواد المحلية المستقاة من الواقع والتي لا يمكن جلبها من الولايات المتحدة. العدد ليس بسيطا، ولا هو بضع مئات، أو حتى بضعة آلاف، الرقم يتعدى عشرات الألوف، وهؤلاء جميعا من المتعلمين الذين يعرفون اللغة الإنجليزية جيدا، ويعرفون أيضا أنه لن يكون لهم مكان في دولة طالبان الأصولية. ومع ذلك فإن السؤال كان مفاجئا وكما بدا أنه تذكرة بموضوع بديهي، وكان إحدى القضايا الحيوية في فيتنام، ومع ذلك لم يتذكره أحد.

ماذا تفعل الولايات المتحدة عند مغادرة بلد غزته فيما يخص السلاح، فسواء كان الأمر في فيتنام أو في أفغانستان فإن الحرب جرت علي مرحلتين: الأولي أن أمريكا المتفوقة عسكريا في كل شيء ومن ثم جاز التوقع أن النصر، والنصر السريع، سوف يكون حليفها. ولكن الواقع دائما يكون له حساباته الأخرى، وعندما يصبح العد بالأعوام وليس بالشهور والأسابيع والأيام فإن ما كان مضمونا لا يعود كذلك. هنا تأتي الاستراتيجية الثانية وهي الاعتماد على القوي المحلية، أو الجيش الوطني الذي يعتقد أن له مصلحة وطنية عليا في مواجهة القوي المتمردة وهو يحتاج في هذه الحالة إلي قدر كبير من الإنفاق، والأهم الكثير من السلاح. وعندما يكون الأمر كذلك فإن الولايات المتحدة مستعدة وغنية بما فيه الكفاية للإنفاق الواسع النطاق، ومعها شركات السلاح المستعدة أيضا للمزيد من إنتاج الأسلحة والذخائر. درس فيتنام كان أن الولايات المتحدة توصلت إلي الانسحاب ليس نتيجة هزيمة عسكرية صريحة، وإنما نتيجة أن الرأي العام الأمريكي كان قد فقد تأييده للحرب والذي قام علي أن فيتنام اعتدت علي سفينة أمريكية في خليج تونكين، وأنها في النهاية دولة شيوعية لا يجوز لها أن تخضع أمريكا في زمن الحرب الباردة. هذه المرة كان تأييد الشعب الأمريكي للحرب في أفغانستان كاسحا لأن منها انطلق تنظيم القاعدة لضرب مركز التجارة العالمي في نيويورك ومعه مبني وزارة الدفاع البنتاجون في أحدى ضواحي واشنطن. ولكن عشرين عاما، وأربعة رؤساء، وتريليون دولار كان فيهم الكفاية لكي تعود طالبان مرة أخري، وفوق عودتها شبه السلمية لم تحصل فقط على العاصمة، والقصر الرئاسي وإنما كان معهما كم هائل من السلاح الذي بقي علي حاله، ولم يدمره أحد، وجرت استعادته بطريقة أو أخري. ومرة أخري لم يتعلم أحد من التاريخ.

لم تكن لا الاستراتيجية الأولي ولا الثانية فاعلة، لأنه ومرة أخري فإن الولايات المتحدة لا تجيد الحرب مع غير الدول المتقدمة مثل اليابان وألمانيا فى أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية. في ذلك الوقت كانت الاستفادة من التاريخ، وبالذات تاريخ الحرب العالمية الأولي، مفيدا لأمريكا والتي ساعتها دخلت الحرب، وبعد انتصارها خرجت منها، وعادت بعيدا وراء المحيطين. وفي الحرب الثانية خرجت بعلاقات تحالف وصداقة ونسب لا تزال قائمة في معاهدة حلف الأطلنطي والمعاهدات الدفاعية مع اليابان وأستراليا. الحرب الكورية كان فيها أول مذاق للهزيمة، لأن مسرح العمليات لم يكن معتادا، ولم يكن بقدرة المارشال ماك آرثر قائد القوات الأمريكية في المحيط الهادي أن يكرر انتصاره في الحرب العظمي عندما بات عليه أن يخوض حربا في كوريا التي انتهت بالتقسيم بين كوريتين، أحداهما في الشمال والأخرى، في الجنوب، ومن الناحية الرسمية فإن الحرب الكورية لم تنته بعد. فيتنام هي الأخرى انتهت بالتقسيم بين الشمال والجنوب، ولم تفهم أمريكا لماذا أراد الفيتناميون التوحيد، وبعد تخوف كبير من انتشار الشيوعية في جنوب شرق وشرق آسيا، فإن الحرب أنتجت سلسلة من النمور الآسيوية، وفوقهم دولة فيتنام التي صارت رأسمالية غنية تماما مثل الصين. التاريخ دائما كان له منطقه الخاص، ولم يوجد فيه ما يعني أن الليلة أشبه بالبارحة، ولكن من يريد التعلم منه فإن عليه فهما أكبر لنوعية الشعوب والأمم والأيديولوجيات التي تحكمها، والأرض التي تدافع عنها. أين إذن هؤلاء الذين يدرسون التاريخ في المعاهد والجامعات ومراكز البحوث، السؤال جيد فربما يتحمل هؤلاء بعضا من المسئولية؟!.

*نقلاً عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.