.
.
.
.

الشعوذة وضحاياها فى أيامنا

أحمد عبدالتواب

نشر في: آخر تحديث:

من الأخطاء الجسيمة التى تقترفها أحياناً بعض وسائل الإعلام فى تغطياتها، وكذلك وسائل التواصل ومعها تعليقات روادها، أن تستخفّ بجوانب هامة فى بعض القضايا الخطيرة التى تهدد المجتمع وتوقع ضحايا كثيرين، وتكاد التغطية والتعليقات تقتصر على المفارَقات الثانوية الكوميدية، وكأن الغرض الوحيد هو تسلية الجمهور! ومن الأمثلة الكثيرة، ما حدث الأسبوع الماضى فى واقعتين، الأولى خاصة بالنصاب الذى تحايل على ضحاياه بأن له قدرة على توليد الدولارات من خلال أعمال السحر والشعوذة، وقد استولى بالفعل على مدخرات إحدى ضحاياه، فى حدائق القبة بالقاهرة، عندما استجابت لطلبه بتركه يبيت بمفرده فى منزلها، بزعم أن هذه هى شروط ترتيب ظروف توليد الدولارات، فقام بسرقة الأموال واختفي، وعندما نجحت الشرطة فى القبض عليه تبين أنه ليس مصرياً، واعترف بجريمته، وأقرّ بأنه أرسل بعض الأموال التى استولى عليها إلى أسرته فى الخارج..إلخ. وكان أول ما ركزت عليه بعض التعليقات الساخرة أن مصر بالفعل فى حاجة إلى خبراء أجانب فى النصب! وفى تعليق آخر أن هذه الأموال المسروقة هى مدخرات من عمل مصريين اغتربوا عدة سنوات بالخارج، وأن النصاب الأجنبى سرقها ليعيدها مرة أخرى إلى مصدرها فى وطنه..إلخ.

فى الواقعة الثانية بحلوان، كانت الضحية البائسة مصابة بمرض نفسي، وبدلاً من أن يأخذها زوجها إلى طبيب متخصص، أحضر لها دجالاً يُسمى نفسه معالجاً روحانياً، وزعم أنها مسكونة بجنى شرير وأنه قادر على إخراجه منها، وقيَّد يديها ورجليها، وانهال عليها بضرب مبرح بزعم أنه يضرب الجنى داخلها ليطرده، وزاد الضرب حتى فارقت الحياة! وبرغم المأساة، تدخل المستظرفون بتعليقاتهم، وقال أحدهم إنها مؤامرة من الزوج لقتل زوجته دون بصمات..إلخ.

خطورة هذا التناول أنه يُشتِّت الاهتمام عن الجوانب الخطيرة، فى حين كان الأولى أن تفتح هذه الوقائع فرصة للإعلاميين لاستضافة خبراء يفندون الجوانب المهمة، التى منها أن الخرافة، التى هى إحدى سمات المجتمعات البدائية، لا تزال تعشش فى عقول الكثيرين، وأن خطورتها تتجسد فى تغييب الوعى إلى حد تهديد الحياة!

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.