.
.
.
.

العائد إلى القاهرة

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

«هل أنت أستاذ فى العلوم السياسية؟»، كان ذلك هو سؤال «فرانك»، سائق السيارة التى أقلتنا من المبنى الذى كنت أقطن فيه فى ضاحية «ولثام» بجوار مدينة «بوسطن» الأمريكية، إلى مطار لوجان فى بداية الرحلة إلى القاهرة.

«نعم» أجبت الرجل الذى كان مبتهجا لأنه وجد من سوف يسد ضالته بحزمة من الأسئلة عن أفغانستان. الحقيقة أن الرجل لم يكن يريد السؤال، فقد كانت لديه إجابات كثيرة، حاولت أن آخذه بعيدا بسؤال «من أين؟» قال «أوغندا»، سألته عن حال الرئيس «موسيفيني»، قال كلاما إيجابيا لم ينته حتى وصلنا إلى المطار. هكذا كان حال الأمريكيين ساعتها، قدم فى القصة الذائعة، والأخرى فى بلاد بعيدة.

وربما لو كان هناك مزيد من الوقت لكان هناك حديث عن قصص أخرى، فى المقدمة منها «الكوفيد» اللعين، الذى طالت قصته عما ينبغى لأى قصة لابد لها من نهاية. كنت قد غادرت القاهرة فى 18 يوليو ذاهبا إلى الولايات المتحدة فى مهمتين: مراجعة صحية فى مدينة هيوستن، ومراجعة أكاديمية لطبعة ثانية لكتابى عن العرب والإسرائيليين فى جامعة «برانديز». فى الأولى كان على الاختلاط بأطباء وممرضين وخبراء معامل، وخال وعائلته مقيم منذ زمن، ولكنه فى منزله لم يترك مصر لحظة خلال الستين عاما الماضية.

وفى الثانية كانت الخلطة مختلفة، فكانت أساتذة أكاديميين مهتمين ببحث أقدار الشرق الأوسط. كانت الخلطة هنا وهناك مثيرة، فقد كان جاثما على صدور الجميع حالة من الإرهاق الناجم عن قرابة عامين من العيش فى «الجائحة» التى كان واضحا أنها ليست فى طريقها إلى الرحيل. بدأت تشحب حالة الفوضى التى بثها الرئيس ترامب فى التعامل مع الوباء رغم محاولات الرجل لإبقاء حالة من الضوضاء حول خطواته القادمة، ولكن النظام المخطط بدقة الرئيس بايدن لم يبد أنه أسعد حالا.

كان واضحا أن الوضع منفلت فى موجة جديدة لها أسماء كثيرة أشهرها «دلتا»، ولكن الثابت أن الولايات المتحدة ظلت عاجزة عن السيطرة لأن قطاعا ليس بقليل يحارب فكرة التطعيم لأن ذلك يمثل تدخلا فى الحرية الفردية. مرشحين لمناصب عامة فى ولايات عديدة دخلوا الانتخابات وفق شعار عدم فرض «الكمامة» على أحد. وعد الرئيس بايدن بتلقيح 70% من الشعب الأمريكى فى مطلع شهر يوليو لم يتحقق، وساعة خروجى من المجال الجوى الأمريكى كان ما تحقق 51.5% فقط.

فى «هيوستن» تكساس، كان الوضع منفلتا، أما بوسطن وتوابعها فقد كانت القيود لا بأس بها، وفى الجامعة وخلال ثلاثة أسابيع، أجريت ثلاثة اختبارات دقيقة عن الحالة. ولكن ما جمع «هيوستن» و«بوسطن» فقد كان أولا ارتفاعا هائلا فى الأسعار، وثانيا حالة من الانكماش الاقتصادى واسعة النطاق، تظهر فى مطارى مدينتين عرفتا عصورا طويلة من الغنى.

القصة الكبرى التى جاءت على غير ذى موعد كانت «أفغانستان» التى كانت قبل فترة ليست طويلة فيها حرب «منسية» لم يعد يهتم بها أحد، وعندما بدا أن الذكرى حلت محل النسيان، كانت النتيجة أن «الخروج» بالفعل كما الخروج من «الحمام» ليس بنفس السهولة، كانت هناك تكاليف كثيرة لإدارة بايدن، سياسية ومادية. من الصعب حساب التكلفة الآن، ولكن كان ضروريا إضافة فقرة فى الكتاب عن الحدث الذى ألم بالبيئة السياسية للشرق الأوسط. كان «فرانك» محقا فى السؤال عن «أفغانستان» لأنها بعد أسابيع من بداية القصة فى الإعلام، وحوارات الساسة التى لا تنفض، فإن ما كان نوعا من الخلاص من حرب «أبدية»، قد صار طارحا أسئلة لم تكن هناك إجابات جاهزة حولها، من أول هل لاتزال الولايات المتحدة دولة عظمى، وماذا تفعل الصين حقا عندما تخرج القوات الأمريكية من الجوار.

الأسئلة كلها ليست «جيو سياسية» كما هو شائع، وإنما أهمها داخلى يلح فيه نتيجة تأثير ما جرى على التجديد النصفى للكونجرس، وهل يمكن لبايدن أن ينتخب مرة أخرى؟ لم يكن هناك جديد فى هذه الأسئلة، فى معظمها من التقاليد الأمريكية الراسخة التى تتساءل دوما عن الانتخابات القادمة، هو نوع من الرياضة الوطنية. فى العودة كنت أطالع كتاب «جون فيرلنج» عن توماس جيفرسون والكسندر هاملتون، وكلاهما من أعلام الثورة الأمريكية، وجدت خطابا للأخير طال ست ساعات فى مؤتمر إعداد الدستور القارى، واقترح فيه أن ينتخب الرئيس لمدى الحياة، وتقيد فيه الانتخابات الكثيرة. كان على الرجل أن يغير رأيه بعد ذلك، وكان على أن أتعجب ماذا لو كان الحال كذلك؟.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.