.
.
.
.

سقوط "طالبان"... حلم متحقّق أم واقع يتحقّق؟

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

حتمًا سوف تسقط حركة "طالبان" مثل سقوط دولة "داعش" من قبل، صحيح أن الأخيرة سقطت بجهود عسكرية من المجتمع الدولي بعد 5 سنوات من نشأتها في 29 حزيران (يونيو) من عام 2014، ولكن في النهاية أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن سقوطها في 22 آذار (مارس) من عام 2019، وكان ذلك إيذانًا بمرحلة أخطر، فلم يستقم الأمر بوجود هذه الدولة المتطرفة في منطقة الشرق الأوسط فكان السقوط.

يبدو أن وضع دولة "طالبان" مختلف بالنسبة لمملكة "داعش" التي تهاوت، فالمجتمع الدولي يراقبها، وعنده استعداد للاعتراف بها لو تغير سلوكها، فوضع شروطًا لو احترمتها الحركة لنالت شرعية هذه الدول، ولا نستبعد في ظل النظرة الدولية للحركة أن تأخذ هذه الشرعية من الأمم المتحدة في ما بعد! ولذلك الرهان على سقوطها ليس مرتبطًا بالمجتمع الدولي بقدر ارتباطه بانتفاضة الشعب الأفغاني عليها، إذا لفظها الأفغان كما لفظت الكثير من الشعوب العربية حركة "الإخوان المسلمين" في مصر والسودان وتونس، هنا فقط نستطيع القول، إن سقوط "طالبان" متحقق.

دائمًا يكون الرهان على وعي الشعب، فعلى قدر بساطته، فإن شعبًا حكيمًا لا يقبل بالضيم أو سياسة الأمر الواقع التي تحاول الحركة أن تفرضها كواقع، ولعل التاريخ حكى كثيرًا عن بطولات هذا الشعب ضد الإمبراطوريات السابقة التي احتلت الأرض ولكنها خرجت منكسرة ذليلة بعد سنوات، وهنا سوف ينتصر الأفغان بإرادتهم التي ورثوها عن أجدادهم.

المشهد يتكرر مرة ثانية، ولكن من وادي بانشير بقيادة أحمد مسعود الذي ارتدى زي والده أسد بانشير أحمد مسعود شاه المقتول عام 2001، فرغم قوة هذا الشبل مقارنة بقوة "طالبان" العسكرية، ورغم رهان المجتمع الدولي على "طالبان" وليس على مقاومة جبهة المقاومة الوطنية الأفغانية، على الأقل حتى كتابة هذه السطور، إلا أن أحمد مسعود ما زال مصرًا على ألا يكون تابعًا للحركة، بل أصر على مقاومتها حتى تسقط أو يتم التفاوض معها للحصول على مزيد من الحقوق للشعب الأفغاني.

من السابق لأوانه الحكم على الجماعة المناهضة لحركة "طالبان"، خاصة أن المجتمع الدولي التزم الصمت إزاء طلباتها، وقد يراهن المجتمع الدولي على حركة "طالبان"، بخاصة أن هناك دولاً كبرى تسعى لتثبيت دعائم إمارة إسلامية على حدود الصين، فضلًا عن أنها ذهبت لدعم الحركة وكانت أحد أسباب وصولها للسلطة، رغم ذلك كله سوف تنتصر المقاومة الأفغانية، لأن رهانها الحقيقي على الشعب الأفغاني وعلى وعيه، الذي لن يخيب بحال من الأحوال.

مقاومة "طالبان" لا يمكن أن تنتصر بالوعي فقط، بخاصة أنها في بدايات تشكيلها وقوتها تبدو محدودة بالنسبة الى حركة "طالبان"، فهي تحتاح لأسلحة وذخائر تجعلها تصمد في مقاومة الحركة ذات التسليح الأميركي والأوروبي؛ فكل أسلحة الحركة حصلت عليها بعد استسلام الجيش الأفغاني، سواء كانت ثقيلة أم خفيفة، وكأن الأميركيين والأوربيين أعطوها للحركة، وكانوا يُدركون أنها قاب قوسين أو أدنى من القفز للسلطة، وأنها حتمًا سوف تصل إليها، صحيح خابت التقديرات الزمنية في موعد السقوط، ولكن حدث ما كان متوقعًا.

نجاح أحمد مسعود وأي مقاومة أفغانية ضد "طالبان" مرتبط بتأييد المجتمع الدولي، بخاصة أن المعركة في بداياتها عسكرية، ولا يمكن حسمها إلا بالشكل العسكري، ولعل المقاتلين الأفغان أو ما أطلق عليهم اسم المجاهدين الأفغان لم يحسموا معركتهم ضد الاتحاد السوفياتي الذي اجتاح أفغانستان عام 1979 إلا عندما زوّدت أميركا هؤلاء المقاتلين بصواريخ كيسينجر FIM 92. ولعل هذه المواجهة هي التي حسمت المعركة لمصلحة هؤلاء المقاتلين، حيث مُنيت القوات الجوية للاتحاد السوفياتي بخسائر لا نظير لها، وكتب بذلك بداية الانسحاب الذي شكل بداية التفكك للاتحاد السوفياتي، وهو ما يلفت النظر لأهمية القوة العسكرية.

صحيح لا يمكن للقوة العسكرية أن تنتصر من دون إرادة للنصر، وأيضًا لا يمكن الاستغناء عنها، على الأقل في البدايات، فدعم واشنطن "طالبان" حفظ لها الاستمرار في الحكم، لولا ظهور المقاومة الأفغانية.

المجتمع الدولي لن يراهن على هذه المقاومة إلا إذا شعر أنها قادرة على هزيمة "طالبان"، فكثير من الدول تتعامل ببراغماتية شديدة وتدور حيث دارت المصلحة، ولا تريد أن تفقد مصالحها السياسية بالرهان على مقاومة ضعيفة لن تكون قادرة على صناعة المستقبل أو الرهان على حركة متطرفة سوف يدفع العالم كله ضريبة صعودها الى السلطة.

صحيح أن مقاومة "طالبان" وُلدت ضعيفة من دون تأييد دولي، ولكن سوف تكبر مثل كرة الثلج، بخاصة مع ممارسات الحركة، والتي حتمًا سوف تكون مخالفة لتصريحاتها التي أبدت فيها قدرًا كبيرًا من المرونة خشية أن تصطدم بالرأي العام الأفغاني أو الدولي، مستفيدة من تجربتها السابقة عندما كانت في السلطة عام 1996، وهنا يمكن الحكم على هذا السلوك بأنه تكتيك سياسي لا يعبّر عن جوهر ما تؤمن به الحركة.

هل الهدف من مقاومة "طالبان" هو إسقاط الحركة وإزاحتها من السلطة؟ أم أن هدفها مجرد تحسين ظروف التفاوض معها وأنها تبدو الأقوى عسكريًا وسياسيًا؟ تصريحات أحمد مسعود تتجه إلى مقاومة قد تنسحب إلى تحسين ظروف التفاوض مع حركة "طالبان" والحصول على مكاسب للشعب الأفغاني، وهذا ما يمكن أن يبني عليه الشعب الأفغاني، وقد ينتهي بعد سنوات بسقوط "طالبان" نفسها، فأي مقاومة سوف تنتهي بسقوط "طالبان" بغضّ النظر عن شكل هذه المقاومة وطبيعتها، حتمًا سوف يكون لها تأثير، ولا يمكن أن نقلل من هذا التأثير تحت أي صورة من الصور.

إذا انخرط أحمد مسعود ووادي بانشير في مفاوضات مع حركة "طالبان"، فسوف تنتهي بمكاسب للشعب الأفغاني حتمًا، وإن كانت قليلة ودون المأمول، ولكن سوف يمثل نجل أحمد مسعود شاه جبهة معارضة قوية في الداخل الأفغاني، وهو ما سوف يؤثر في "طالبان" ويسبب لها تصدعات، وقد ينهي وجودها في الشارع الأفغاني، فما ينقص الشعب الأفغاني هو أن يعي أن الحركة كما هي بنسختها القديمة، كفيل بسقوطها.

على المجتمع الدولي أن يقف أمام مسؤولياته في دعم المعارضة الأفغانية، وهنا يدعم المجتمع الدولي المعارضة ولا يدعم وجود حرب أهلية، هذا الدعم سوف يؤدي إلى الاستقرار في أفغانستان ولن يساعد على الفوضى، هذا الدعم سوف يحافظ على أفغانستان ولن يحوّلها إمارة إسلامية تكون ملاذًا لجماعات العنف والتطرف.

من مستلزمات الأمن القومي للدول الكبرى أن تدعم هذه المعارضة، أو على الأقل لا تقف مع "طالبان" في مواجهتها، وعندما نقول دعم المعارضة الأفغانية لا نريد لها أن تكون مرهونة بقرار الخارج، ولكن كما اتفقنا، هذه المعارضة في الداخل، وقد تم تأسيسها بوعي من الشعب الأفغاني، فقط مطلوب الحكم بشرعية وجودها ودعمها حتى تستطيع الصمود أمام حركة مدعومة من دول كبرى ذات مصالح سياسية.

لا بد من دعم المعارضة الأفغانية حتى لا تُنتج "قاعدة" جديدة على غرار ما أُنتج بدعم المقاتلين العرب عام 1979، فبعد انتهاء الحرب الأفغانية عام 1988، تشكل تنظيم "قاعدة الجهاد" باتفاق ما بين عبد الله عزام، أحد قيادات "الإخوان المسلمين"، وأسامة بن لادن، الزعيم المؤسس لـ"القاعدة"، عندما قال الأول للثاني: "إن الحرب الأفغانية انتهت، ومعنا وتحت أيدينا قاعدة بيانات لكل المجاهدين من كل أنحاء العالم، والجهاد باق إلى يوم الدين"، ومن هنا كان إنشاء تنظيم "قاعدة الجهاد"، الذي قد يتصدر المشهد الجهادي بعد صعود "طالبان" الى الحكم.

الوقوف أمام "طالبان" هدفه الأساسي عدم إنتاج تنظيم جديد يُهدد أمن العالم، ويُشكل خطرًا على سلامته، وهذا هدف استراتيجي لا بد من أن يتبناه المجتمع الدولي وأن يدافع عنه، وهنا يطيب لنا القول إن المقاومة الأفغانية سوف تنتصر بدعم دولي ومن دونه، صحيح قد يتأخر الانتصار وقد يمر بعثرات، ولكن لا يمكن أن تسقط إرادة الأفغان، انتصار حققه الأفغان على مر التاريخ ومحقق الآن، رغم ما يبدو من غيوم معتمة على شمس كابول.

* نقلا عن "النهار العربي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.