.
.
.
.

لا يريد سلامًا

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

بناءً على تقارير «الصحافة العالمية»، توقع المؤرخ البريطانى «برنارد لويس» أنه سوف يجد بين المصريين فائضًا من الكراهية والعداء لليهود وللإسرائيليين. الصحافة العالمية عنده هى، فى المقام الأول، الصحافة الأمريكية والبريطانية، وربما الفرنسية. كانت تلك الصحف تشير إلى عبدالناصر، أحيانًا باسم «هتلر الصغير»، وإذا كان هو على هذا النحو عندهم، فكيف يكون المصريون إذن؟. لكنه بعد أسابيع قضاها فى مصر وأحاديث مُطوَّلة مع الكثيرين، لم يجد الأمر كذلك. لم يلمس عداء ولم يتبين كراهية أو مقتًا لليهود ولا للإسرائيليين.

وجد ألمًا من الهزيمة، لكن العداء الذى يصل إلى حدود «العنصرية»، والذى تشير إليه «الصحافة العالمية»، ليس قائمًا، لكنه وجد غضبًا، ليس مكتومًا، تجاه مَن ورّطوا المصريين فى تلك الحرب، واستمع هو إلى اتهامات وانتقادات للسوريين، الذين كانوا السبب فى إشعال الحرب بالحديث عن حشود عسكرية إسرائيلية على حدودهم. البعض وجّه الاتهام نحو الاتحاد السوفيتى، الذى قصد- فى رأيهم- توريط مصر فى حرب مع إسرائيل لإجبار عبدالناصر على المزيد من العلاقات والتعامل معهم، بما يتيح لهم التغلغل فى مصر ونشر الشيوعية بها. فريق ثالث كال الاتهامات إلى الفلسطينيين. كانت قضيتهم سبب المشكلة من البداية، وساعة الجد لم يطلقوا رصاصة واحدة تجاه إسرائيل، وهناك بعض السخط تجاه القيادة المصرية، وطبعًا تجاه العدو.

يترك لويس كل هذا، ثم ينطلق ليتحدث بثقة ويقين عما يريده المصريون. يقول نصًا: «لقد سئم المصريون، صغارًا وكبارًا، المغامرة والحرب، الشعب لا يريد شيئًا أكثر من السلام مع إسرائيل بشروط مُرْضِية ومُشرِّفة لبلدهم»، صفحة ٥١٨.

وفى سياق آخر يقول: «لا توجد مشكلة جوهرية فى الحقيقة بين إسرائيل كإسرائيل ومصر كمصر، وينبغى ألا تكون هناك صعوبة فى التوصل إلى شكل من التسوية»، ويضيف برنارد لويس قائلًا: «وقد وجدت مصريين يناقشون الأمر على هذا الضوء».

نعرف الآن أن كل ما يقوله هو كان مطروحًا فى بعض الأوساط بين النخب الثقافية والسياسية منذ هزيمة يونيو. موقف توفيق الحكيم وبعض زملائه. وبالتأكيد قرأ لويس ما كتبه وجيه غالى ورحلته إلى إسرائيل، لكن كانت هناك آراء أخرى. نظرية «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة» كانت لها الغلبة فى الشارع وبين عموم المواطنين.

برّأ لويس الشعب المصرى من الكراهية العنصرية لليهود ولإسرائيل، لكنه لم يبرئ عبد الناصر ونظامه. صحيح أنه لم يضع الزعيم الكبير فى مصافّ هتلر ولا فى مستواه، لكنه يتوقف أمام أن جمال عبدالناصر كتب مقدمة لإحدى طبعات كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، وهو كتاب يجسد لديه العداء للسامية وكراهية اليهود. الكتاب كذلك بالفعل، ويتحدث عن مؤامرة يهودية على العالم كله.

الكتاب وضعته المخابرات القيصرية الروسية، ونسبته إلى اليهود. أشار كذلك إلى أن أحد أقطاب نظام عبدالناصر، هو محمد أنور السادات، كان وقتها رئيسًا لمجلس الأمة «البرلمان»، وكان فى شبابه، أثناء الحرب العالمية الثانية، من المُعجَبين بهتلر والنظام النازى، وتعاون معهم من خلال الفريق عزيز المصرى، الذى كان على صلة بالحزب النازى، ولم يُخفِ عبدالناصر ولا السادات وعدد آخر من زملائهما إعجابهم بالفريق عزيز المصرى، الذى بدأ حياته العسكرية ضابطًا فى الجيش العثمانى.

ارتباط السادات بخلية على علاقة بجاسوس ألمان، فترة الحرب العالمية الثانية. لم يكن عن ميول نازية، ولا حتى إعجاب بهتلر، ولكن تحرك هو وغيره من أرضية «عدو عدوى صديقى». كانت بريطانيا قد أرهقت المصريين جدًا وترفض الجلاء. سفيرها هنا، سير مايلز لامبسون، تعمّد إهانة العرش المصرى، وتصرف بغشم وغطرسة مع الملك فاروق فى ٤ فبراير١٩٤٢، وهكذا اتجهت الأنظار نحو العمل على إزاحة الاحتلال البريطانى. كانت الاتصالات مع ألمانيا النازية فى حدود السعى للخلاص من المحتل البريطانى بالقوة، وليست فى إطار تبنى الأفكار والمشروع أو الحلم النازى، ولا أظن أن برنارد لويس كان غافلًا عن التحالف أثناء الحرب العالمية بين تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا، وستالين، الزعيم السوفيتى الأشهر بدمويته وديكتاتوريته. ظلت العلاقات جيدة بين ستالين والولايات المتحدة وبريطانيا حتى نهاية الحرب العالمية، ولم يتهم أحد تشرشل بالشيوعية، وعمومًا فإن سنوات السبعينيات أثبتت عكس كلام لويس فى هذه الجزئية، حيث إن السادات هو مَن أقام السلام مع إسرائيل.

أيًا كان الأمر، هو ذكَر السادات- هنا- عابرًا، ولم يتوقف طويلًا أمام مسألة هتلر، لكنه توقف، مطولًا، عند عبدالناصر، وأبدى انزعاجه الشديد من صورة أخذت تنمو خارج مصر، تحديدًا فى الغرب، عن أن عبدالناصر رجل معتدل، يحاول أن يكبح جماح التصميم على القتال. هو يرفض ذلك التصور ويذهب إلى العكس، وهو أن عبدالناصر يريد لحالة الحرب أن تستمر وتتواصل، وأن تعيش مصر أزمات لا تتوقف، لماذا؟. يجيب هو حرفيًا: «لكى يبقى مسيطرًا على دولة كارهة له»، ويستطرد فى الحديث على النحو التالى: «عبدالناصر مثقل بفكرة الوحدة العربية والنضال ضد إسرائيل، بحيث لا يستطيع أن يعقد سلامًا، حتى إن كان يريد»، ويخلص إلى القول: «الظواهر كلها تدل على أنه لا يريد».

سوف نلاحظ أنه استعمل مصطلح «النضال ضد إسرائيل»، ولم يستعمل مصطلح «الحرب». كانت هناك أفكار طُرحت بعد 67 للتسوية، وقبِل ناصر النقاش حولها، لم يرفضها مبدئيًا، كما كان متوقعًا، وكانت هناك وثيقة «بيان ٣٠ مارس»، سنة ٦٨. قبل عام من زيارة لويس لمصر، تحدث فيها صراحة عن إمكانية استعادة الأرض المحتلة عبر الحل السياسى وليس بالضرورة بعمل عسكرى، ولعل هذا كان من بين أسباب التعاطف الدولى مع عبدالناصر.

أشد ما طرحه لويس تسطيحًا وتبسيطًا مخلًا مقولة إن بقاء عبدالناصر على رأس الدولة يعتمد على الأزمات وامتداد حالة الحرب. ارتباط المصريين بعبدالناصر جاء من الخدمات التى قدمها للفقراء، مثل حق التوظيف وفرص العمل والمرتبات المعقولة، وبناء المصانع، وغير ذلك كثير. الحرب مع إسرائيل بنتائجها السلبية أكلت من زعامته ولم تُضِفْ إليه كثيرًا. ويتجاهل لويس أمرًا بالغ الأهمية، وهو أن إسرائيل هى التى بدأت العداء مع مصر عبدالناصر.

حين تولى الضباط الأحرار حكم مصر كانوا مشغولين بقضايا الداخل، وفى مقدمتها التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية وجلاء البريطانيين عن مصر. المبادئ الستة التى أعلنها مجلس قيادة الثورة لم يكن فيها شىء كبير عن إسرائيل، وأبَت الحكومة الإسرائيلية إلا مبادرة الضباط بالعداء. الغارة على غزة سنة ١٩٥٥ دفعت مصر إلى صفقة الأسلحة التشيكية.

العملية سوزانا قبلها بعام، فيما عُرف باسم «فضيحة لافون»، عملية ينفذها الموساد فى قلب العاصمة المصرية، وبأيدى عدد من أفراد اليهود المصريين، لتدمير العلاقات الطيبة بين النظام الجديد فى مصر والولايات المتحدة، ثم الهجوم على سيناء سنة ٥٦ واحتلالها والاشتراك مع فرنسا وبريطانيا فى عدوان لانتزاع قناة السويس واحتلال مدنها. الذى يخطط ويبادر بالاحتلال هو المعتدى.

عبدالناصر لم يخطط يومًا للاعتداء على إسرائيل. فى سنة ٦٧ تعهد علنًا بأنه لن يهاجم إسرائيل ولن يبدأ عدوانًا، وكانت إسرائيل تعلم بيقين أنه ليس لديه خطة للهجوم عليها، أما إغلاق مضيق تيران فكان ممكنًا التعامل معه بطرق أخرى كثيرة، عبر الدول الكبرى والأمم المتحدة وليس بضرب كل المطارات المصرية واحتلال سيناء ورفض الخروج منها. مؤخرًا، نشر السفير السابق منير زهران مذكراته، وجاء فيها أنه أعد مذكرة، قدمها إلى وزير الخارجية محمود رياض، أثناء أزمة مايو ٦٧، بأن قرار إغلاق مضيق تيران قرار خاطئ ويخالف القانون الدولى، ولذا يُحمل الرئيس عبدالناصر المسؤولية كاملة عن الحرب. أخطأ عبدالناصر التقدير السياسى، لكن كان هناك مَن بيّت النية وصمّم على العدوان.

كانت الخطط جاهزة ولم يكن صعبًا اختراع أو اختلاق سبب!. وهل كان قد أغلق شيئًا سنة ٥٦ وقبلها فى سنة ٥٥؟. حتى حرب الاستنزاف، وهى الحرب الوحيدة التى بدأها عبدالناصر مع إسرائيل، كانت محدودة داخل سيناء، وكانت عمليات ضد جيش احتلال. لم يأمر بعملية واحدة ضد مدنيين إسرائيليين، ولا هاجمت القوات المصرية مدينة إسرائيلية واحدة، ورَدّت إسرائيل بالاعتداء على المدن والمدنيين المصريين فى مدرسة بحر البقر وفى أبوزعبل وغيرهما. عمومًا التعامل بين عبدالناصر وإسرائيل يحتاج دراسة خاصة.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.