.
.
.
.

الخيارات الإقليمية والدولية: شيطنة الإسلام السياسي أم ترويضه؟

علي الخشيبان

نشر في: آخر تحديث:

عودة طالبان إلى السيطرة على أفغانستان تفتح خزائن الأسئلة الكبرى حول قضايا تاريخية مهمة، وخاصة في منطقة المسلمين ومحيطهم الجغرافي الشرق الأوسط والذي يحوي ما يقارب أربع مئة مليون مسلم من أصل مليار وتسع مئة مليون مسلم في العالم، فالإسلام يشكل الديانة الثانية في العالم، وربع سكان العالم مسلمون، تقول التوقعات: إن العقود الثلاثة المقبلة ستمنح الإسلام التفوق دولياً، وهذا يعني أنه يستحيل تجاوز تأثيرات ما يقارب من ملياري مسلم فيما يخص الإسلام الذي واجه خلال العقدين الماضيين أزمات وتحديات كبرى ربطت بينه وبين الإرهاب.

في العصر الإسلامي الذهبي عصر العلم كانت الفكرة مختلفة، ونشأ فيه إسلام حداثي منفتح على العالم وعلومه، ولكن ما بعد الفترة التي أوقف فيها استخدام العقل والتفكير الإسلامي والاجتهاد تحول الإسلام من وجهته العقدية إلى وجهة سياسية، فحتى سقوط كابل قبل أيام مازال الإسلام بأتباعه يبحثون عن مخرج للأزمة التي طورها التاريخ بعدة أشكال، بين فكرة الهزائم وفكرة التخلف وفكرة الخسائر العسكرية وهزيمة الهوية الإسلامية، وكانت أحدث المنتجات لذلك التاريخ فكرة (الإسلام السياسي) التي دخلت قاموس الثقافة الإسلامية، وظلت المنعطف الأخطر بالربط المباشر بين الإسلام والإرهاب، حيث ساهم هذا الربط في تكاثر التحديات والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية.

وخلف كل ذلك أغلقت الأبواب أمام كل العقول التي تريد أن تفكر، وأصبحت أمام خيارات صعبة، ولم تكن هي الوحيدة أمام تلك الخيارات، فحتى السياسة في الشرق الأوسط دخلت هذا المنعطف، واضطرت الكثير من الدول إلى اتخاذ مواقف صارمة أمام فكرة الإسلام السياسي، وبدا أن العالم العربي ينحشر في مجتمعات تعاني من أزمة فهم لغة الإسلام الفعلية، وتم اتهام الفكرة الإسلامية بمجملها بأنها عاجزة عن فهم لغة العصر، فقيم الإسلام من خلال شخصيات تبحث عن إثبات الذات وتتحدى المظاهر التي تستفز تفكيرها، وهذا في الحقيقة هو جزء من عملية الإحباط واليأس من الحياة، وقد عشنا مرحلة أصبح فيها الإسلام السياسي هو الطريق الوحيدة المتاحة للتخلص من المشكلات والأزمات السياسية.

السؤال المهم يدور حول شيطنة الإسلام السياسي من جديد، وهل تعلمنا الدرس كدول شرق أوسطية عندما تورطنا منذ منتصف القرن الماضي في مسار الحرب الباردة بين أميركا والاتحاد السوفيتي، واستخدم الإسلام كحصان لتنتصر به أميركا على الاتحاد السوفيتي، لقد أُقحم الإسلام في تلك المرحلة في لعبة خطرة نحن نجني ثمارها اليوم، ونفقد بسببها الاتجاهات المصيرية التي يجب أن نسير فيها كمجتمعات مسلمة، اليوم تفتح كابل كل الأسئلة؛ فالمنافسة الأميركية مازالت قائمة مع قوى دولية مختلفة، فالصين قادمة والهند وروسيا كلها دول تتشكل كرأس حربة محتملة في مواجهة أميركا التي تترك أفغانستان كحقل ألغام وهي تعلم أن المسرح مفتوح لإحياء كل الماضي.

في الواقع تعاني الكثير من الدول الإسلامية من قصور في النضج السياسي التصنيفي، والذي يمكن من خلاله وضع الدولة في إطار سياسي واضح، وإذا استثنينا الدول الملكية ذات الاستقرار المتفق على شكله ومنتجاته، فإن معظم العالم الإسلامي يفتقد إلى تبني الشكل السياسي المناسب للخروج من دائرة فقدان البوصلة فيما يخص منتجاتها السياسية، الدول الشرق أوسطية اليوم أمام مهامها الكبرى المعلقة على الأنظمة السياسية للبحث عن طرق متوازنة بينها وبين الشعوب التي يمثل الإسلام دينها ومنهج حياتها، فاليوم يصعب على الدول أن تمسك بكل أطراف اللعبة السياسية، فالانفتاح الذي تحقق في المسارات التكنولوجية غيّر المفاهيم، وأفسح المجال للشعوب بشكل كبير كي تكون في مواقع يصعب تجاوزها عند صناعة التوجهات السياسية المصيرية.

الخيارات اليوم محصورة في الدول الإسلامية لترويض الإسلام السياسي وفهم التجربة المرة التي أنتجت القاعدة وطالبان وداعش وكل ميليشيات الأرض التي تضع من مبادئها فكرة الربط بين الإسلام والسياسة، لقد أصبح العالم الإسلامي وخاصة الشرق الأوسط مليئاً بجماعات الإسلام السياسي؛ ولذلك فإن محاربة إحداها أو كلها لن يكون الحل الأمثل فهي تتكاثر بشكل مخيف، فخلال أربعة عقود مضت تضاعفت جماعات ومنظمات الإسلام السياسي، ولذلك فإن مخاطر شيطنة هذه الجماعات دون وعي سياسي هو ما يسهل عليها الانتشار والتوسع في الطبقات المجتمعية والشعبية ما يصعّب التكهن باختفائها من التداول الفكري والأيديولوجي الشعبي.

تجربة أفغانستان اليوم هي أفضل الدروس التي يمكن من خلالها فهم التجربة السياسية والتوازن في المسار الدولي والإقليمي، وعلى الدول الشرق أوسطية مهمة كبرى في تخفيف أو إيقاف الاندفاع مع الاتجاه الغربي من جديد، فالتجربة والنتيجة اللتان حصلت عليهما المجتمعات الشرق أوسطية كفيلة اليوم بأن تعلن أنها غير مستعدة للدخول في تجربة تأجير حصانها الإسلامي مرة أخرى لكي يستخدم في تعديل أو تغيير توازنات عالمية كما حصل في عهد الحرب الباردة.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.