.
.
.
.

قاعدة أفغانستان الجديدة..!

أسامة سرايا

نشر في: آخر تحديث:

متابعة لقنبلة الإرهاب والتطرف، وما يحدث فى أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكى المزرى منها، أيا كان الرأى فى هذا الانسحاب، تتفق مع هنرى كيسنجر، الثعلب الأمريكى، والعالم السياسى، وإمام الدبلوماسية الأمريكية، والذى يرى هذا الانسحاب نكسه ذاتية ارتكبها بايدن، الرئيس الديمقراطى، لا يمكن تعويضها، وأنه فر أمام طالبان بانسحاب غير مشروط، سارع داعش والقاعدة للانضمام إلى هذا الانسحاب- النصر فى مطار كابول بصورة مفزعة، ليكونا فى صورة عالمنا، ويحصلا على نصيب وافر منه، ويجعلاه أقسى على الأمريكيين من الانسحاب من سايجون (فيتنام)، منذ نصف قرن، أو كما يراه بايدن، من أن الأمريكيين، والعالم، سوف ينسى عاجلا، أو آجلا، ما حدث من فوضى، وأنه كسب بالخروج كابول، لأن أمريكا لم تعد مرتاحة لحروب بلا نهاية، وأنها لم تعد مهتمة باستخدام القوة الخشنة بعد الآن، وعليها التركيز فى الحروب الذكية- أيا كان الرأى، فهذا لا يهمنا كثيرا، وإن كانت الهيبة الأمريكية اهتزت، فهى تعتمد على ما هو أهم من الهيبة، أو التخويف،(نقطة قوتها الاقتصادية، وكونها مكونا رئيسيا للنظام الدولى، وتركز على اهتمامات مختلفة، لعل أهمها الصين، وروسيا، تعاونا، وعداءً، ومنافسة).

لكن ما يهمنا نحن، فى الشرق العربى، والإسلامى، أن الانسحاب ترك حكومة عارية، وضعيفة، سقطت، قبل الانسحاب، بصورة شكلت إلهاما للآخرين، والإرهابيين فى منطقتنا ككل، وأن الأمريكيين سلموا، عمليا، السلطة إلى طالبان، وما يهمنا، أيضا، فى المنطقة العربية، والإسلامية، أن التاريخ يعيد نفسه (ما حدث منذ عِقد من الزمان فيما أُطلق عليه الربيع العربى بتسليم السلطة فى بلادنا العربية للمتأسلمين)..

وها هو عاد، ليطل علينا، مرة أخرى فى أفغانستان، حيث الأمريكيون يسلمون السلطة للمتأسلمين بلا مواربة، بل عبر مباحثات استمرت سنوات، ومن جديد، انطلقت الحركات، الإرهابية، للانتشار فى العالم، من البؤرة الآسيوية، فهناك شعاع، أو مفاعل نووى متطرف يشع، وسوف يضرب المناطق الرخوة فى منطقتنا ككل، إذا لم تحدث متابعة دقيقة، ولصيقة، للتطورات المستقبلية، فعلى دول الخليج العربى الانتباه أكثر لهذا الشعاع الأكثر ضررا من القنبلة النووية، ولعلنا كذلك، وبحكم الحس، ندرك أن التمدد، والإرهاب، والتطرف، لن يتوقف، فى هذا المدار، الذى انطلق منه، بل إنه سوف يدور حول إفريقيا، ويبدو مقلقا للغاية، خاصة فى المناطق الهشة، التى لم تُعالج، حتى الآن، مثل الصومال، ومناطق الساحل والصحراء، وبعد سقوط الدولة الليبية، التى نحاول ترميمها الآن، ومازالت تداعياتها كبيرة، والخوف هنا ليس فقط على الدول التى سقطت فعلا، ولكن على الجميع، والتى مازالت لم تَحل بعد معضلة هذه التيارات المتأسلمة، مثل تونس، وفى كل دول المغرب العربى من الممكن أن تظهر تنظيمات جديدة للاستيلاء على السلطة، وتهدد كيان الدولة، على غرار النمط الإرهابى المعروف، خاصة فى البلاد التى لم تهتم بعد بالريف، الذى تستوطنه هذه الجماعات، وتعمل على تجنيده، بغزو المدن، مثل المغرب، والجزائر، وعلينا، هنا، أن نشيد بالتجربة المصرية بالاهتمام بالقرى، لأنها السبيل الوحيد لاجتثاث جذور هذا التيار المخيف، والذى يَنزِعُ إلى سقوط الدول، ونشر الإرهاب، والفوضى، فى ربوع البلاد.

وإذا كانت قلوبنا مع كل أفغانية، أو أفغانى، خاصة النساء، والأطفال، الذين أصبحت حياتهم مهددة، فإن التنوع القبلى، والمذهبى، سوف يستطيع التعامل مع حركة طالبان فى سنوات قليلة، ولكن خوفنا على مجتمعاتنا التى لم تحل المشكلة الإرهابية، أو التطرف لهذه التيارات المتأسلمة، بعد أن أصبحت مكشوفة، إلى حد كبير، بل إن مخاوفنا كبيرة من الأسلوب الذى اتبعته الولايات المتحدة، والغرب، فى أفغانستان، فكل ما اعتمدا، واتفقا عليه معنا، فى السنوات الماضية، أصبح مكشوفا، وقد سقط تماما، خاصة خطابهما الأخلاقى، وحقوق الإنسان، فخروجهما المدوى، بل المتملق لـطالبان، ليس له دلالة بالنسبة لنا، ولكل من تابعوا المشهد منذ ١١ سبتمبر ٢٠٠١ حتى الآن، سوى أن الأمريكيين، بعد ٢٠ عاما، حاولوا أن يحلوا معضلتهم مع التيارات المتأسلمة على حساب مجتمعاتنا الشرقية، والإسلامية.

يجمع الخبراء، وأنا معهم، أن ما حدث فى أفغانستان يتجه إلى خلقْ صحوة جديدة لهذه الجماعات، من باكستان إلى المغرب، أى الشرق الكبير، وبحسابات المكسب والخسارة، فإن عالمنا يجب أن يتوجس خيفة للمستقبل، خاصة فى تعاملاته مع المجتمع الدولى (أمريكا، والصين، وروسيا)، فالجميع لا يضع مصالح شعوبنا، ومستقبلها، فى اهتماماته. لهذا، أعتقد إن ما حدث فى أفغانستان، بصريح العبارة، تهديد شامل لكل البلاد العربية، والإسلامية، ويستحق ما هو أكثر من الانتباه، والتعاون الإقليمى، إن لم يكن كثيرا من المواجهة، والمكاشفة، مع العالم الغربى.

إن أمريكا، والغرب، يفتحان أقوى صراعات مدوية، ودموية، فى العالم الإسلامى، دون اتفاق مع شعوبه، وكرة النار، التى أطلقتها أمريكا خائفة، أو مرتعدة، أو عاجزة عن التفكير الإستراتيجى، نحن نراها بوضوح، ويجب علينا جميعا إطفاؤها، لأنها تذكرنا بقنبلة هيروشيما وناجازاكى على اليابان، أما قنبلة أفغانستان، فإن تأثيراتها المدوية ستأتى لاحقا، أو تباعا، وتنتقل من نقطة إلى أخرى، إنها مثل حرائق الغابات لا تتوقف، لأننا لم نخترع بعد وسائل إطفاء لحرائق إطلاق الأديان فى الصراعات السياسية، والمصالح الضيقة، أو الصراعات الدنيوية الرخيصة، فالأديان نيرانها حرائق لا تتوقف، أو تنتهى.

والخلاصة أننا أمام قاعدة حيوية جديدة أقامتها أمريكا، أو أطلقتها، من أفغانستان، للتطرف العالمى، ولا نقول هذا الكلام للتخويف، ولكن للتبصير، والاهتمام، فالصراحة، والمكاشفة، فى هذه اللحظة الدقيقة، عملية ضرورية، ويجب أن تكون مستمرة، ودائمة.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.