.
.
.
.

أمريكا.. فيروس أخطر من كوفيد -19

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

ترى أيهما أخطر على الجمهورية الأمريكية ومستقبلها في قادم الأيام، الحروب التي أخفقت في إحراز نصر مبين في معاركها، الحركية منها والعقلية، أم ما يصيب المجتمع الأمريكي، والذي قام على فكرة، بوتقة الانصهار، من مشاعر الكراهية وتوجهات التشرذم والانقسام، سواء من منطلقات عرقية أو أيديولوجية، وربما عما قريب نشهد صراعات مذهبية وطائفية بصورة أوسع بعدما بدأت بالفعل شرارة تلك المواجهات في الأعوام الماضية؟

من المؤكد أن البيانات التي أفرج عنها مكتب التحقيقات الاتحادي الأيام القليلة الفائتة عن جرائم الكراهية في العام 2020 تستدعي مخاوف عالية من أصحاب العقول المفكرة، فقد رصدت أكثر من 15 ألف وكالة لإنفاذ القانون في جميع أنحاء الولايات المتحدة إرتكاب 7759 جريمة كراهية بزيادة 6% عن عام 2019، وهي أعلى نسبة مسجلة منذ عام 2008.

من تستهدف تلك الجرائم؟

في المقدمة السكان من أصول إفريقية، ثم الآسيويين، وأولئك ازدادت مشاعر المقت تجاههم والغضب منهم، من نسبة كبيرة من أنصار اليمين المتشدد وأصحاب الحقيقة المطلقة، وأحادي الذهنية والتوجه، جراء تفشي فيروس كوفيد-19، واعتباره صنيعة صينية.

على أن الأمر تجاوز العرق وبدأت عودة بغيضة لملامح كراهية أمريكيين يدينون باليهودية، وبمعنى أكثر وضوحا، ردة غير أخلاقية نحو العداء للسامية، ولم توفر تلك الجرائم دور عبادة من مختلف الطوائف عرفت الحرائق طريقها إليها، وأطلق عليها الرصاص، وسقط من حولها القتلى والجرحى.

تدرك وزارة العدل الأمريكية أن الجماعات التي تؤمن بتفوق العرق الأبيض تمثل تهديدا أمنيا متزايدا، وربما لم تفق أمريكا بعد من صدمة ما جرى نهار السادس من يناير كانون الثاني الماضي، يوم جرى اقتحام الكونجرس الأمريكي من عناصر يمينية مغرقة في تطرفها، بعضها يحمل أعلام الكونفديرالية، ما يؤشر إلى خلخلة في البنية التكتونية للمجتمع الأمريكي.

يكاد العام الأول من ولاية الرئيس بايدن يقترب، ولم يقدر للرجل أن يحقق أهم وعوده الانتخابية، أي إصلاح وترميم ما جرى للنسيج المجتمعي الأمريكي وبخاصة بعد الإنتخابات الأمريكية الرئاسية في 2020، والتي خلفت من ورائها احتقانات يشك المراقب للشأن الأمريكي أنها سوف تنمحي من الصدور عما قريب.

ولعله من سوء طالع الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأخيرة، تراكم الإشكاليات عليها، فمن الفيروس الشائه الذي لا يعرف أحد إلى متى سوف يستمر، والذي فتح الطريق واسعا لجماعات الكراهية والعنصرية لدفع عناصر مشابهة لهم في طريق رفض الحكومة الاتحادية، بل التأليب ضدها، إلى الخروقات السيبرانية التي انتهكت ولا تزال كل يوم أمن وأمان الداخل الأمريكي، وأصابع الاتهام موجهة في غالب الأمر إلى روسيا والصين، ما يرسخ الكراهية للجنس الآسيوي على أساس من العرق قبل أي شيء آخر، ووصولا إلى الأزمة الفكرية والأخلاقية التي ستتولد من جراء قرار الرئيس بايدن الخاص بالانسحاب من أفغانستان هذه الأيام.

القرار الأخير يخشى المرء أن يزيد المرارة في الحلوق، لاسيما تجاه الجماعة العرقية من أصول عربية وإسلامية في الداخل الأمريكي، وبخاصة أن السؤال سيكون عن حصاد عقدين من الحرب بعيدا في أفغانستان، وخسارة الآلاف من الشباب الأمريكي، وضياع عدة تريليونات من الدولارات من خزينة الدولة ومن جيوب دافعي الضرائب، ما يختصم من فرصة الأجيال الأمريكية القادمة في حياة أكثر سعادة ورفاهية.

تبعات المشهد الأفغاني في واقع الأمر في مقدمها، والقادم أكثر إثارة وربما خوفا، إذ من المنتظر أن تنطلق أصوات، وبعضها فعل ذلك، تطالب باستقالة الرئيس بايدن، والواقع الأمور في مقدمها، والقادم أكثر إثارة وربما خوفا، إذ من المنتظر أن تنطلق أصوات، وبعضها فعل ذلك، تطالب بإستقالة الرئيس بايدن، والاتهام الحاضر له، هو أنه تسبب في أكبر انتكاسة ذاتية لأمريكيا عبر هذا الإنسحاب المرتبك، والتعبير هنا لبطريرك السياسة الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر قبل نحو أسبوع.

هل باتت الكراهية إذن الخطيئة الرابضة خلف الباب للأمريكيين والتي تشتهي أن تتسيد عليهم وتفسد حياتهم مرة وإلى الأبد؟

في الأسبوع الأخير من شهر أغسطس آب المنصرم، وقبل وفاته بأيام قليلة، وجه عضو مجلس النواب الأمريكي السابق، بول ميتشيل، رسالة مؤثرة إلى الأمريكيين، تحث على " الوحدة " رغم الاختلافات الفكرية.

من داخل المستشفى التي قضى فيها نحبه وفي مقابلة مع شبكة "سي.إن.إن"، قال ميتشيل: "من السهل العثور على أشخاص تتفق معهم. هناك قيمة في الأشخاص الذين قد تختلف معهم بشأن شيء ما بقوة، لكنه لا يجعلهم بطبيعتهم أشخاصا سيئين".

وصية رجل السياسة الأمريكية الكبير الراحل: "تعلموا أن تفهموا الناس، وكونوا أقل حكما عليهم، وأكثر حبا، وأقل كراهية، إنها تدمر مجتمعنا".

يبدو مستقبل الولايات المتحدة في اللحظات الراهنة أمام تحديات جسام، أخطرها على الإطلاق حديث الكراهية وعدم التناغم، بين الأمريكيين وبعضهم البعض، وهو ما يعود بنا إلى مخاوف تحدث عنها كبار مؤرخي الإمبراطوريات القديمة، من إدوارد غيبون، مرورا بأرثر شليزنجر، وصولا إلى بول كيندي، مخاوف عن الإمبراطوريات التي تتفكك من الداخل قبل أن تطلق عليها رصاصة واحدة من الخارج.

هل يستيقظ الأمريكيون لمواجهة فيروس الكراهية قبل فوات الأوان؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.