.
.
.
.

تحول فى التقاليد بسبب الأوبئة

مصطفى الفقي

نشر في: آخر تحديث:

ليس من شكٍ فى أن ما جرى فى العامين الماضيين ومنذ ظهور وباء كورونا تحديدًا سوف يترك بصمة على مستقبل الجنس البشرى كله، فلقد تغيّرت أفكارنا وتحولت عاداتنا وأصبحنا أمام فصلٍ جديد من حياتنا حتى يكاد المرء أن يقول (ماقبل كورونا وما بعد كورونا)، فلقد أدى الوباء وتداعياته على المستويين المحلى والدولى إلى تغييرات ضخمة فى شكل المجتمعات وتقاليدها الموروثة وأفكارها المستقرة، لقد بدا للجميع أن الخيط الرفيع بين الحياة والموت أكثر وضوحًا ولم يعد هناك كبيرٌ على الداء الكاسح والوباء المستشري، وسوف يقول قائل إن البشرية عرفت من قبل أوبئة أشد فتكًا وأكثر انتشارًا ولكنها عبرت عليها وخرجت منها ولو بملايين الضحايا ثم عادت الأمور إلى ماكانت عليه واستقرت حياة الناس على ما تواضعت بشأنه منذ بدء الخليقة، فالموت ليس حدثًا جديدًا والمرض لا يشكل مفاجأة لأى مخلوق ومع ذلك فقد أسهمت الثورة الإعلامية فى تغيير المشهد بسرعة ووضعتنا أمام تحدياتٍ غير مسبوقة، اهتز العالم من أقصاه إلى أقصاه تحت وطأة الاجراءات الاحترازية والمخاوف التى بلغت حدًا لم يحدث من قبل فى تاريخ الإنسان، مع آلاف الآراء المتضاربة والتحليلات المتعارضة بل واستثمار ما جرى لمصلحة فئات معينة وقطاعات بذاتها يتقدمها قطاع الصحة والعلاج عمومًا، مع تدهور واضح فى الثقة التقليدية المتبادلة بين الطب الحديث والإنسان المعاصر، ولعلى أطرح هنا بعض الهواجس المرتبطة بالداء والدواء والآثار الاقتصادية والاجتماعية بل والسياسية لما جرى منذ غزا الفيروس أجساد البشر، ونوجزها فيما يلي:

أولاً: مازلنا نكرر أن من أهم العوامل التى أدت إلى متغيرات فى جميع مناحى الحياة هى التطورات التكنولوجية الكاسحة خصوصًا فى مجال التواصل الاجتماعى والانتقال المعرفى، إذ إن الذى جرى فى العقود العشرة الأخيرة قلب الدنيا رأسًا على عقب ووضع البشرية أمام تحديات من نوع جديد، ولقد تأثرت الأوبئة الوافدة والفيروسات الزائرة بذلك التطور وأصبحنا الآن أمام واقع مختلف وبشر تغيرت مفاهيمهم وتحولت الدنيا حولهم وكأننا أمام عالم جديد بالمرة، البشر هم البشر ولكن حياة الجميع قد اختلفت، وأصبحنا نرى الدنيا من منظارٍ أشد قتامة وربما أكثر كآبة، لأن التاريخ لا يلخص نفسه فى لحظة، ولكنه يدع الأحياء ليسجلوا على أرض الواقع ما شعروا به وما انتهوا إليه.

ثانيًا: كنا نتحدث من قبل عما يسمى أغنياء الحرب والآن يمكننا أن نتحدث عن (أغنياء كورونا) ونقصد بهم هؤلاء الذين تربحوا من ظروف انتشار الفيروس وطرق علاجه والتطعيمات المطلوبة له والتنافس المحموم بين شركات الأدوية بل وبين الدول التى تنتمتى إليها أيضًا، وبدا الأمر وكأنه مؤامرة للاتجار على حساب الشعوب المغلوبة على أمرها والتى ليس لديها بدائل متاحة تسمح بالاختيار، وأنا على يقين من أن هناك شركات أدوية عالمية استفادت على نحو غير مسبوق وحققت مكاسب طائلة على حساب الآخرين. وأصبحنا أمام مشهد عبثى تتصارع فيه أنواع التطعيمات المختلفة بجنسياتها المتعددة.

ثالثًا: لابد أن نعترف أن ذلك الفيروس اللعين وأمثاله قد ضرب الحياة الاجتماعية فى مقتل، فاختفت التجمعات وانقطعت حبال المودة واختفت الزيارات المتبادلة وأصبحنا أمام مناخ بارد المشاعر متجمد الأحاسيس وكأننا نعيش فى صقيع العمر، تقطعت حبال المودة وانقطع عقد المحبة وأصبحت اهتمامات كل شخص متوقفة عند حدوده الجسدية والشخصية، لقد بدأت أشعر أحيانًا وكأن من أعرفهم ليسوا هم أنفسهم الذين عشت معهم سنوات عمرى السابقة، فكل شيءٍ تغيّر وأصبحت العزلة اختيارًا منطقيًا للكثيرين.

رابعًا: لعل من الحسنات القليلة لذلك الوباء أنه قد أثبت لعموم البشر أنهم متساوون، حيث ظهرت الإجراءات الصحية العالمية وكأنها استفتاء على مفهوم العولمة وتأكيد أن الحواجز انتهت والحدود تلاشت رغم الانكفاء المجتمعى بسبب ظروف كورونا فى كل مكان، وقد أغرت تلك العزلة ملايين البشر بحالات تأمل انتهى معظمها إلى نوعٍ من الاكتئاب والإحساس بعدم جدوى الحياة.

خامسًا: من حقنا أن نتساءل الآن إذا انحسرت الأوبئة أو وصلنا إلى علاج قاطع للوقاية منها فهل يا ترى تعود الحياة إلى ما كنت عليه؟ هل نرى السلامات الحارة والأحضان الدافئة والقبلات المتبادلة بين الأصدقاء حتى لو رأى كل منهم الآخر أكثر من مرة فى اليوم الواحد؟ هل يمكن أن تعود تلك الحالة من التكيف والسيولة أم أن الدنيا تغيرت والعالم تحول ولم يعد بالمستطاع أن يعود الدفء الذى ضاع؟ إننا نواجه عصرًا جديدًا وأجيالاً مختلفة فى ظل حالة من الترقب والخوف من المجهول والقلق الذى يغزو الحياة ويعطى إحساسًا بأننا قد مضينا فى طريقٍ قد يكون بلا عودة! لعلنا نعترف فى النهاية بأن الكورونا قد ضربت الحياة الاجتماعية للعالم كله فى مقتل وأساءت لنا جميعًا وأثرت فينا على نحو غير مسبوق، ولا يزال الأمل معقودًا على عامل الزمن كى يداوى هذه الجراح وينسينا معاناة الشهور الأخيرة ويدفعنا بالتالى نحو الاستقرار واليقين والرضا.

*نقلاً عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.