.
.
.
.

فرصة قيادة العراق لمعاهدة دولية لحظر الاستخدام السياسي للدين

سلام سرحان

نشر في: آخر تحديث:

رغم وتيرة التأييد المتسارع للمبادرة العالمية لسن معاهدة دولية لحظر الاستخدام السياسي للدين، إلا أن أكبر قاسم مشترك بين الانطباعات الأولى لمن يطلعون عليها لأول مرة، هو اليأس من وجود حل لهذه القضية المستعصية. لكن ذلك الانطباع سرعان ما يتبخر وينقلب إلى دهشة وتأييد متحمس بعد دقائق من تأمل بساطتها الساحرة.

قبل أن نوضح أركان المعاهدة المقترحة وأهمية أن يكون العراق في قيادتها، ينبغي أن نشير إلى أنها حظيت، خلال عام واحد فقط من انطلاقها، بتأييد مئات البرلمانيين والمسؤولين والشخصيات العالمية. وأصبحت على طاولة عشرات الحكومات وزعماء دول العالم، رغم ظروف العمل الاستثنائية، التي لا يزال يفرضها وباء فايروس كورونا.

ومن التطورات الكبرى ترحيب رئيس الحكومة المغربية بالمعاهدة المقترحة وإحالتها إلى وزارة الخارجية، بعد استقباله لوفد يمثل عشرات البرلمانيين من جميع الكتل السياسية ومنظمات المجتمع المدني، التي طالبت حكومته بتبنيها على الساحة الدولية. كما ناشدت مجموعات كبيرة من البرلمانيين في إيطاليا والنمسا وبنغلاديش وسان مارينو حكومات بلدانها لتبني المعاهدة رسميا. وتستعد أكثر من عشر دول أخرى للقيام بالمثل، بينها سويسرا وباكستان وجنوب أفريقيا وألمانيا وبريطانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبوركينا فاسو ونيجيريا.

وهناك مستويات مختلفة من التأييد في أكثر من ثلاثين دولة أخرى، بينها النرويج وفرنسا ومصر وتونس وإسبانيا والبحرين وجنوب السودان وكندا وموريتانيا والإكوادور وأرمينيا وجورجيا وأفريقيا الوسطى وسيراليون ولاتفيا ومالطا ومقدونيا الشمالية وبلجيكا وساحل العاج. كما حظيت المبادرة بدعم كبير في البرلمان الأوروبي والعديد من البلدان الأخرى.

أما بالنسبة للشخصيات العالمية الداعمة، فمن الصعب ذكر البعض دون البعض الآخر، لأن جميعهم بارزون ومؤثرون بشكل كبير. ولكن إذا كان لا بد من ذكر بعض الأسماء، فلا بد أن نبدأ برئيس مجلس أمناء المنظمة والراعي الوحيد لها حتى الآن، رجل الأعمال العالمي نجيب ساويرس. وتضم قوائم المؤيدين الطويلة الرئيس السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى ورئيس أساقفة كانتربري السابق روان ويليامز ووزير الخارجية الإيطالي السابق جوليو تيرزي ووزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي والمفكر العالمي نعوم تشومسكي، وعشرات الشخصيات العالمية في فرق المنظمة المختلفة.

من الطبيعي أن يعتقد كثيرون أن إيجاد حل لمشكلة إساءات استخدام الدين في انتهاك حقوق الآخرين، مهمة صعبة بعد أن عجزت عن حلها ملايين المحاولات على مدى تاريخ البشرية. وكان عنوان أبرز تلك المحاولات المثيرة للجدل هو فرض فصل تعسفي بين الدين والسياسية.

هذه المبادرة تختلف كليا، ولا علاقة لها على الإطلاق بفصل الدين عن السياسة، لأنها مهمة عبثية ولا جدوى منها، حتى وإن بدت مجدية أحيانا على المدى القصير. وهي لم تُحسم بشكل كامل حتى في البلدان الغربية، حيث بدأت جماعات اليمين المتطرف تقذف بوجهها تحديات كبيرة. كما أن ذلك الفصل التعسفي يزيد الأمر سوءا لأنه يعطي ذخيرة مجانية للمتطرفين.

المعاهدةالمقترحة،التي شارك في صياغتها عدد من كبار المشرعين والمسؤولين وأبرز خبراء الأمم المتحدة، تسعى فقط إلى تثبيت خمسة أركان بسيطة يصعب رفضها حتى من قبل الجماعات المتطرفة، وهي حظر استخدام الدين في انتهاك المساواة بين البشر وحظر التمييز في الحقوق والواجبات على أسس دينية وحظر الإقصاء الديني وأي تقييد لحرية الاعتقاد والعبادة. وهي بذلك تجعل رفضها بمثابة فضيحة لمن يعارضها.

هذا النهج غير الصدامي، الذي يستند إلى قواعد العدالة الأساسية، يشمل جميع الانتهاكات ويتفادى أي صدام مع المعتقدات الدينية الراسخة لدى جميع شعوب العالم. كما أنه يضمن بناء إجماع عالمي غير مسبوق يساعد المجتمع الدولي في التعامل مع أخطر النزاعات الحالية والمستقبلية، إضافة إلى أنه يعزز قدرة الحكومات المسؤولة على ردع المتطرفين والدفاع عن قيم العدالة والسلام الاجتماعي وسيادة القانون.

من المستبعد أن أن ترفض أي حكومة مسؤولة مثل هذه القواعد الأساسية العادلة، بل حتى الحكومات والأطراف المتهمة بالانتهاكات لن تجد عذرا لرفضها. وبذلك سوف يمكن بسهولة تأمين إجماع دولي بشأنها لتصبح إحدى المعاهدات الأساسية للأمم المتحدة ونقطة تحول كبرى في تاريخ العمل السياسي الدولي، خاصة في ظل حيرة العالم في التعامل مع معضلة أفغانستان.

يمكن القول إن هذه المبادرة تدخل أشرس معارك التاريخ، لتضع قواعد بسيطة وواضحة، وتعلن أن الجميع منتصرون وعليهم التخلي عن أسلحتهم، أي أنها تفتح الباب حتى لجميع الدول والأطراف السياسية المتهمة باستخدام الدين كسلاح ضد الآخرين وتمنحهم فرصة إغلاق أبواب تلك الاتهامات، ليكونوا بذلك من أكبر المستفيدين منها.

وهي بذلك تدلنا إلى الباب الوحيد للخروج من دوامات أخطر الصراعات، التي دمرت العديد من البلدان وأثرت على حياة المليارات في كل ركن من أركان الكوكب، والتي تعود جذور أسبابها إلى إساءات استخدام الدين لأغراض سياسية واستدراج البسطاء إلى التطرف والإرهاب.

جميع المحاولات السابقة للخروج من تلك الدوامات كانت تنطوي على خلل كارثي، يكمن في كونها صدامية. وقد أهدرت موارد هائلة في خوض معارك خاطئة، تزيد الأمر سوءا لأنها لا تراعي الحساسيات الدينية وتصطدم بمعتقدات الشعوب الراسخة. أما هذه المبادرة فهي تنطلق من مبادئ العدالة الأساسية ومن الغريزة الأخلاقية وتراعي جميع الحساسيات الدينية بطريقة فريدة.

ويتضح ذلك في صدارة المغرب وبنغلاديش وباكستان ودول عربية للدول الداعمة، إضافة إلى أن من أبرز مؤيديها زعامات من مختلف الأديان وقادة أحزاب دينية مثل الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم في ألمانيا وحزب العدالة والتنمية في المغرب.

تنبغي الإشارة إلى فكرة المعاهدة كانت نتيجة تأمل عميق للمأزق العراقي الطويل والمستعصي ومحاولة البحث عن سبيل لإخراجه من تقاطع نيران إساءات استخدام الدين لأغراض سياسية، والتي يأتي أغلبها من خارج حدوده. ولذلك فإن تبني العراق للمعاهدة المقترحة سيكون مدويا على الساحة الدولية، رغم وجود عشرات الدول الساعية لتبنيها. كما أنه سيحقق للعراق مكاسب هائلة ويعالج جميع جراحاته.

قد يتبادر إلى الذهن أن تبني العراق للمعاهدة المقترحة في غاية الصعوبة، في ظل وجود الكثير من الأطراف السياسية ذات المرجعية الدينية. لكن ذلك في الواقع سبب إضافي لاتخاذ ذلك القرار، لأن تلك الأطراف تزعم وتؤكد دائما أنها تعارض استخدام الدين كسلاح. كما أن معارضتها ستكون مستحيلة لأن تمثل فضيحة أخلاقية وتعني أن ذلك الطرف يريد استخدام الدين في التمييز بين البشر في الحقوق والواجبات.

ينبغي أن نذكر أن أبرز زعماء الأقليات الدينية في العراق هم بين مؤيدي المبادرة، مثل رئيس الكنيسة الكلدانية الكاردينال لويس رافائيل ساكو والزعيم الديني الراحل للمجتمع اليزيدي بابا شيخ خرتو حاجي اسماعيل والزعيم الديني للصابئة المندائيين ستار جبار حلو، إضافة إلى العديد من الزعماء الدينيين المسلمين.

اقتحام العراق لقيادة المعاهدة سيكون مدويا وسيحقق له مكاسب كبيرة داخليا وخارجيا. وسيكون ضربة دبلوماسية هائلة تقدم للعالم درسا في كيفية التعامل مع هذه الإشكالية المستعصية وتنعكس على دوره الإقليمي والعالمي في جميع القضايا. وستتبع العراق دول كثيرة من المنطقة والعالم. بل أتوقع أن يفتح ذلك نافذة حتى لإيران للخروج من عزلتها ويعيدها إلى المجتمع الدولي.

كما ستقدم الحكومة أيضا درسا داخليا ترحب به الأحزاب الدينية، حين تفتح لها طريق التأقلم مع روح العصر وتوفر فرصة للخروج من مشاكلها ومن الرفض الذي يحاصرها. كما أن قيادة معاهدة تاريخية تحسم أخطر القضايا الشائكة سيبث التفاؤل بين العراقيين ويعزز استقرار البلد والثقة العالمية بمستقبله. وينعكس ذلك في استقطاب المساعدات والاستثمارات ووضع العراق على مسار التنمية المستدامة.

على الصعيد العالمي ستكون المعاهدة المقترحة أداة لا غنى عنها لدحض ادعاءات المتطرفين بأنهم يدافعون عن دينهم في مواجهة أجندات مزعومة. كما أنها ستجرد المتطرفين من وسائل تجنيد البسطاء للقيام بأعمال إرهابية. ويجب ألا ننسى أن عدم وجود قواعد عالمية واضحة في هذا المجال، يسمح أيضا للمصالح السياسية والاقتصادية بالتلاعب بالتعاليم الدينية لخدمة أجنداتها بأي ثمن.

هناك إجماع بين مؤيدي المعاهدة المقترحة على أنها سوف تدخل العالم في عصر جديد، يتحدث فيه المجتمع الدولي بصوت واحد ضد الاستخدام السياسي للدين في انتهاك حقوق الإنسان، دون التردد المعتاد حين يتعلق الأمر بهذه القضية الحساسة. وهنا علينا أن نتذكر أن الضغوط السياسية لم يكن لها أي تأثير يذكر بسبب عدم وجود قواعد دولية واضحة، وهو ما سوف تحسمه هذه المعاهدة.

ومن المؤكد أن القضاء على القمع والتمييز الديني سيحدث فارقا كبيرا في حياة المليارات وسوف يخدم جميع الأهداف الإنسانية الدولية من خلال القضاء على جذور أسباب أخطر النزاعات المستعصية وقائمة طويلة من انتهاكات حقوق الإنسان، الأمر الذي يعزز الاستقرار ويفتح الأبواب للتنمية المستدامة في العديد من بقاع العالم، التي أرهقها الاستخدام السياسي للدين.

كما أن المعاهدة ستساعد أيضا في معالجة المشاكل الاقتصادية الاجتماعية الأخرى على نطاق عالمي، بما في ذلك جميع البلدان المتقدمة من خلال تخفيف ضغوط التوتر العالمي والهجرة الجماعية وتحسين فرص الاندماج الاجتماعي للأقليات الدينية في تلك البلدان.

*نقلاً عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.